الصحراء زووم _ المغرب بين التقويم والتعويم.



أضيف في 17 يناير 2018 الساعة 15:07


المغرب بين التقويم والتعويم.


الصحراء زووم :  بقلم الباحث / حمدات لحسن


عرف المغرب في بداية الثمانينات من القرن الماضي سياسة  اقتصادية سميت آنذاك"  بالتقويم الهيكلي " ارتكزت على  سياسة التقشف كارتفاع رسوم التسجيل  في قطاع التعليم   وارتفاع الضرائب على القيمة  المُضافة للمواد الغدائية وضريبة "التضامن الوطني   " وتخفيض تكاليف  الاستثمار وخفض المناصب المالية المخصصة للتشغيل   والدعم لصندوق المقاصة ،ولعل هذه الوضعية سببها راجع بالأساس   إلى سنوات  الجفاف العجاف التي مرت منها المملكة اضافة إلى الفساد والبيروقراطية التي تنخر جسم البلد علاوة على ارتفاع سعر الدولار وتكاليف المديونية  الخارجية ثم حرب الصحراء وتكاليف حجم الإنفاق العسكري ،كل هذه المسببات وغيرها زادت من إتساع رقعة الإحتقان الإجتماعي وسادت  الإحتجاجات وسط المدن والأرياف خصوصا منطقة الشمال والوسط كالناظور والحسيمة  وتطوان ومراكش وغيرها إنتهت بالقمع والسجن وحظر التجوال عرفت بعد ذلك  بسنوات الجمر والرصاص.



بعد هذه المرحلة المقلقة والصعبة التي دامت حوالي عشر سنوات عرف فيها إقتصاد البلاد  مراحل كثيرة وتقلبات إقتصادية كبيرة تدخلت فيها الدولة بمجموعة من الخطط والإستراتيجيات الاقتصادية  وبعض الإصلاحات البنيوية ، وكان ذلك في منتصف الألفية الثالثة كالتفكير في تطوير وتقوية العملة المغربية عن طريق " حل الإرتباط " مع العملات الأجنبية كاليورو  والدولار الأمريكي   أو مايعرف "  بتعويم الدرهم "أو تحريره والإستغناء عن سعر " الصرف الثابت " الذي كان يثقل كاهل البنك المركزي في تخصيصه إحتياطيا دائما من العملة الصعبة للحفاظ على التوازن  والثبات  أمام سلة من العملات الأجنبية .

كما يشهد  الإقتصاد المغربي  منذ الإستقلال  تذبذبا كبيرا كغيره من دول العالم الثالث بسبب إرتباطه بالخارج وارتفاع حجم الواردات من المواد الأولية كالبترول والقمح وغيرها في المقابل ضعف الصادرات المغربية كالفوسفات والخضروات ومواد الفلاحة ، علاوة على  العجز الدائم  للميزان  التجاري وميزان الأداءات وإنفاذ إحتياطي العملة الصعبة  ناهيك عن الأسباب التي أسلفنا ذكرها آنفا .

فهذا النظام الصرفي  العائم  يحدده التوازن بين  قانون" العرض والطلب " ويدفع  الدولة والفاعلين الاقتصاديين إلى محاربة التضخم والرفع من ضبط السياسة النقدية وتوجيهها الى حماية الصناعات المحلية وتقويتها وتشجيع الإستثمار وتدعيم البنية التحتية وتنويع موارد الإقتصاد الوطني وتوسيع هامش الحريات العامة  ذات طبيعة إقتصادية وترسيخ الشفافية والتهرب الضريبي من طرف  بعض رجال الأعمال .

وإجمالا إختلفت الآراء حول إيجابية الخطوة وسلبيتها ،حيث  هناك من يرى أن سياسة " تعويم الدرهم" هي خطوة   محفوفة بالتحديات والمخاطر كإرتفاع أسعار البترول العالمية  والمواد الأولية المستوردة وإستنزاف خزينة الدولة من العملة الصعبة التي لاتتجاوز خمسة وعشرون مليار دولار حاليا  وإحتياطي الذهب في الخزينة العامة للمملكة الذي     لايتجاوز هو الآخر ألفين طن  وهو ماسيدفع بالدولة إلى الإستدانة الخارجية وتزيد الطينة بلة .

فالمغرب يوصف بأنه " تلميذ نجيب لصندوق النقد الدولي الذي يفرض عليه شروطا تكون مجحفة أحيانا ولا تراعي البعد الإجتماعي ولا الإقتصادي لهذه السياسات المالية  ولعل هذه الخطوة المغامرة غير المحسوبة المخاطر ستكون آثارها سلبية كحالة  "جمهورية مصر العربية "   الذي إرتفع فيها الدولار الأمريكي إلى عشرين جنيه بعدماكان سبعة  جنيهات ، وهناك من يرى أن هذه الخطوة التي ستطبقها المملكة بشكل تدريجي طيلة عقد من الزمن  ستكون لها إنعكاسات جد إيجابية خصوصا على مستوى  المواطن العادي ثم محاربة التضخم ومستوى الإستثمار وإنعاش مجال التشغيل  وتشجيع السياحة وضبط التوازنات الماكروإقتصادية وخلق تنافسية بين المقاولة الوطنية واستعادة الثقة للفاعلين الإقتصاديين والمتدخلين الماليين والشركات الكبرى المغربية وبالتالي إنتعاش الإقتصاد الوطني .

 

عموما يجب أن  تقوم الدولة بإجراءات إحترازية ووقائية وإستباقية لكي تنجح الخطة كالبحث   عن أسواق جديدة  خاصة بعد عودة المغرب للإتحاد الإفريقي وتكون مسؤولة عن خطوة " التعويم والتحرير " أمام المواطن كمراقبة السوق وتوفير السيولة وميزان الآداءات ومواكبة كل تدخلات البنك المركزي   ومكتب الصرف كإعداد تقارير سنوية لتقويم الإعوجاج وسرعة التدخل من طرف البنك المركزي لحماية كل الإختلالات المُحتملة وكذلك   يستوجب  توفير  "حاضنة ملائمة"  لهذه التقنية كمحاربة  المافيا وسماسرة العملة الصعبة  وتهريبها أو المضاربة عليها ،علاوة على الإهتمام بالبنية التحتية لجلب الإستثمار خصوصا أن عاهل البلاد دعا في إحدى خطبه السامية الأخيرة   إلى إصلاح مراكز الإستثمار الجهوية  إضافة إلى خطة محاربة الفساد .   

 وفي الأخير يبقى سعر "الصرف العائم "   خاضع لتقلبات السوق العالمية ويبقى المواطن في حيرة من أمره  وتيه  واضح بهذا القرار المفاجئ الذي  لا يعرف عواقبه ولم يستشار في إتخاذه آصلا  ،

وليس لدى المواطن إلا إبتداع  النكت والسخرية من التعويم في هذا الجو البارد .





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي