الصحراء زووم _ الصناعة السينمائية في خدمة التاريخ والتراث بالمجال الصحراوي الحساني.



أضيف في 8 فبراير 2018 الساعة 23:24


الصناعة السينمائية في خدمة التاريخ والتراث بالمجال الصحراوي الحساني.


بقلم : سيدي السالك البودناني

  باحث في الثقافة والتراث الحساني.

       شكل المجال الصحراوي الحساني مثار العديد من الكتابات و الدراسات، فقد أسهمت مجموعة من الظروف والعوامل السياسية والاقتصادية وكذلك الاجتماعية بالتحكم في مساره التاريخي، فتعدد التسميات التي أطلقت على هذا المجال( بلاد التكرور، تراب البيضان، بلاد شنقيط والصحراء المغربية والغربية وتيرس الغربية والأقاليم الصحراوية والأقاليم الجنوبية والساقية الحمراء ووادي الذهب...) هي الجواب الشافي و الكافي، ليتبين لنا إلى أي حد كانت ولا تزال الهوية وحدود المجال متغيرة وغير ثابتة[1]، وبمعزل عن التجاذبات المفاهيمية وإشكالية التسمية ومن منظور ثقافي أشمل، ستنساق الدراسة مع مصطلح مجال البيضان، إذ لم يكن اختيارنا لاسم المجال البيضاني من محض الصدفة أو تماهيا مع الفلسفة الكولونيالية الساعية  لخدمة أجندتها التوسعية، بل جاء اعتبارا لكون كلمة بيضاني أو البيضان أكثر شمولية وإحاطة لكل العناصر المكونة لذلك المجال المترامي الأطراف  كما عرفه الدارسون من واد نون شمالا حتى نهر السنغال جنوبا، والمحيط الاطلسي غربا حتى التخوم المالية شرقا[2].

     ومهما يكن فما يهمنا في ثنايا هذه الورقة هو تسليط الضوء على أهمية الصناعة السينمائية و علاقتها بتوثيق التاريخ والتراث الثقافي بالمجال الصحراوي الحساني؟ وهل هناك ارتباط بين السينما والتاريخ ؟ وإلى أي حد أسهمت التجارب السينمائية والدرامية ذات الصلة في إغناء الحقل التاريخي بالمجال المذكور قيد الدراسة؟

  لقد أصبح  من الضروري وبإلحاح التفكير في خلق إستراتيجية لتوثيق التاريخ بالمجال البيضاني وتراثه الثقافي، وذلك بفعل هيمنة تيار العولمة الذي يستهدف بالأساس خلق بدائل نمطية مبنية على إقصاء الخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب، كما يلغي الروابط التاريخية  بطرحها لمفهوم جديد حول الهوية[3].

     غير أن هذه الاستراتيجية لن تتأتى إلا بتوفر مجموعة من الشروط المتعلقة بالبحث عن مكانزمات قادرة عل مجابهة تلك التحديات في عصرنا الحالي، لذلك يجب استثمار المكتسبات التكنولوجية الحديثة وتطويعها خدمة للرأسمال المادي والغير مادي في ظل هذا الضجيج الآلي وتزاحم الصور وانفلات  المعلومة، وتعتبر الصناعة السينمائية عامة والوثائقية على وجه الخصوص آلية فعالة لا يستهان بها في تثمين وتوثيق التاريخ والتراث الثقافي الحساني قصد مراكمة مادة مرجعية تواجه شح وضآلة المادة المكتوبة، فهذه المعضلة إن صح التعبير تعد إكراها حقيقيا لدى الباحثين والدارسين، عند سبرهم أغوار الاشكالية الثقافية والتراثية وعلاقتها بالمجال.

فالإنسان الصحراوي بطبعه أو ما جبل عليه ميال إلى الشفهي أكثر مما هو مكتوب، إذ نجد أن نسج الكلام وتقفيته في أبيات شعرية (لغنى) هو الوسيلة الناجعة للإنسان الحساني في التواصل مع محيطه، فهو الأنيس في وحدته والمفرج عن كربه وبوحه عن مكنونه ولسان حال همته وعزمه، والمدون لجميع الانشطة المرتبطة بأهل البدو، فالمجتمع الحساني يولي أهمية قصوى للكلام، فالمثل الحساني يقول " كثر كلامك تعود ولي"[4]، الامر الذي يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة الجهود وتكثيفها من أجل صون[5]، هذا الارث التاريخي والثقافي، عبر نهج سياسة ثقافية قوامها تجميع المادة التراثية وجردها وتوثيقها.

إن ذكرنا لمسألة الثقافة الشفهية للمجتمع البيضاني لا يعدو إلغاءا  للركام المخطوطاتي والكم الوثائقي الذي تركه الإنسان الصحراوي، بل العكس فقد أنتج مادتا غزيرة أوجب تحقيقها ودراستها لتخرج للعلن، كما أنه لا يجوز اختزال ثقافة الصحراء في اللباس والخيمة والشعر والغناء فقط بل هي متنوعة وغنية[6]، فماضي المنطقة السحيق وحاضرها أنتج لنا إرثا ماديا ومعنويا، مرد ذلك لعمليتي التأثير والتأثر الذي عرفه هذا المجال خلال عبور موجات بشرية متلاحقة، لتكون بذلك الصحراء صلة وصل بين الشمال والجنوب وموطنا لتلاقح عدة أجناس وعناصر أنتجت لنا الثقافة الحسانية ببعدها الشمولي.

فالتطور التاريخي لمجال البيضان أو بلاد البيضان، يعود للفترة الوسيطية إذ نجد أبا عبيد الله البكري (القرن 5هجري/ 11 ميلادي) قد إستخدم مصطلح البيضان للتمييز بين سكان المجال الصنهاجي الصحراوي وجيرانهم السود[7]، ليتطور المصطلح بعد ذلك ليأخذ بعدا جغرافيا وثقافيا متسعا، ويطلق على سكان موريتانيا حاليا من ذوي الاصول العربية و الأمازيغية وتنسحب بعدئذ ليضم منطقة الساقية الحمراء ومنطقة وادي الذهب ثم منطقة أزواد بمالي[8].

وفي هذا الاطار سنحاول تسليط الضوء على  الجانب السينمائي وإمكانية توظيفه في كتابة التاريخ وتوثيق التراث الشعبي بالمجال البيضاني، عبر التطرق إلى بعض التجارب التي شقت طريقها لتكون لبنة أولى ومرحلة متقدمة في التأسيس ودحض فكرة أن سكان الصحراء ليست لديهم وعي أو ثقافة سينمائية، فقد عرفت مدينة العيون كبرى مدن الصحراء على سبيل المثال، إحداث مجموعة من القاعات السينمائية منذ عهد الإستعمار وبناياتها لازالت شاهدة على ذلك إلى حد كتابة هاته السطور لكنها في حالة عطالة، كما نظمت في فضاءاتها أنذاك عدة  عروض أفلام في الهواء الطلق من طرف القوافل السينمائية[9].

  •   السينما والتاريخ أية علاقة

قد لا يصدق البعض أن هناك علاقة بين السينما والتاريخ خاصة وأن هذين الاخيرين، كل له منهجيته في التعامل مع الواقع[10]، ولتبيان تلك العلاقة سوف ننطلق من الفيلم الوثائقي باعتباره صورة تنقل الواقع وترصد ابعاده التاريخية، فالسينما لا تعتبر صورة طبق الاصل عن الحاضر لأنه بمجرد ما أن يصور يصبح جزء لا يتجزأ من التاريخ[11].

إذن وبعد تجاهل طويل من طرف العلوم الإنسانية وبعد انتشار السينما كأداة للتعبير، دفع الباحثين إلى الاهتمام بالفيلم ودراسة خصوصياته[12]، مما يطرح وبإلحاح إمكانية توظيف وإستثمار هذه الأخيرة أي السينما في مجال توثيق التاريخ والتراث، استنادا لمجموعة من العوامل أثرناها سلفا، فظهور السينما في أواخر القرن التاسع عشر ظهرت لغة جديدة للتخاطب والتدوين، وأصبحت الأحداث والشخصيات المجتمعية توثق صوتا وصورة بواسطة الكاميرا وغيرها من آليات الفن السابع [13]، وكنموذج لهذه الأفلام التاريخية الروائية والوثائقية على سبيل المثال لا الحصر، فيلم عمر المختار والرسالة لمصطفى العقاد، الذي ذاع صيتهما وانتشرا في كل بقاع العالم، وهو بالتأكيد أحد الاهداف المثلى لهذا النوع من السينما في تسليط الضوء على الشخصيات التاريخية الرمزية ومختلف الاحداث المؤثرة ذات الوقع على مسار البشرية.

  •  التاريخ والتراث من خلال التلفزيون والسينما بالمجال الصحراوي الحساني

يبدو أنه من غير المنطقي التحدث عن أي تجربة بالمجال الصحراوي الحساني خاصة فيما يتعلق بالتدوين والتوثيق وصون التراث الثقافي، دون ذكر التجربة الموريتانية خصوصا وأن بلاد المرابطين جزأ لا يتجزأ من المجال الصحراوي الحساني.

فقد أسهمت مجموعة من الظروف والمقومات لتكون موريتانيا إحدى الدول المواكبة في مجال توثيق التاريخ و التراث، وبشكل أخص تأصيل الرواية الشفوية حتى أصبحت مادة مرجعية يستعان بها.

فظهور حكم الإمارة كالترارزة والبراكنة تكانت و أدرار، أسس إلى نظام شبه مركزي أميري يستمد سلطته من الإمارة[14]، فخلق نوع من الاستقرار النسبي، ثم تشكل طبقة الزوايا في إطار التراتبية الوظيفية التي عرفها المجتمع الحساني أثناء القرن السابع عشر ميلادي،  أنتج حضارة فكرية شبه مكتوبة في بلاد شنقيط، عكس الجزء الشمالي من المجال الصحراوي الحساني(من تيرس إلى واد نون) ويطلقون عليها أيضا أهل الساحل وهي القبائل التي تستوطن ما بين أدرار وواد نون[15]، حيث ان عدم استقرار تلك القبائل وهجرتها نحو مناطق الرعي، جعلها تشكل وحدات متنقلة تمظهرت في مؤسسة (لفريك) الذي يضمن للأهل البدو البيضان العيش في كنفه، ويمارسون حياتهم الطبيعية والمعيشية وكذلك العلمية والثقافية عبر مؤسسة (لمسيد)، لينهلوا من المعارف اللغوية والفقهية واعتنوا بالشعر، بذلك كونوا حضارة شفهية تعطي للكلام أهمية خاصة عكس ماهو مكتوب، ما عدا بعد المخطوطات والنوازل الفقهية  التي كما أسلفنا الذكر أوجب إخراجها إلى حيز الوجود عبر دراستها وتحقيقها.

  •   الإنتاج السمعي البصري وتوظيف التاريخ والتراث بالمجال الصحراوي الحساني:

شكل ظهور المحطات التلفزية والإذاعية منذ عهد الاستعمار إلى يومنا هذا طفرة هامة، من خلالها تم أنتاج مجموعة من البرامج السمعية والبصرية تهم ثقافة المجتمع البيضاني، كان لها الأثر البالغ في التعريف بخصوصيات المجتمع الصحراوي الحساني الثقافية والتاريخية المتنوعة (العادات والتقاليد، اللباس، الرقص، الموسيقى، الشعر، الصناعة التقليدية، الألعاب الشعبية)، بالإضافة للخزان التاريخي الشفهي والموروث الثقافي الشعبي.

  •  سيداتي السلامي الإذاعي و الأديب المخضرم

من الواضح على أن هاته السطور لن تكفينا لإعطاء جرد شامل لشخصيات وأعلام الصحراء بالمجتمع الحساني، فقد أنجبت الصحراء العديد من الرجالات تركوا للتاريخ ما يحكى عنهم، وكانوا خير سلف لخير خلف في شتى مجالات الحياة.

 فاختيارنا لهذه الشخصية لم تأتي من فراغ، فهو الأديب والشاعر والقاص والإذاعي، العالم المتمكن الشهير وهو إبن السلامي ابن لحبيب ابن المصطفى، ابن السيد ابن عبد الوهاب وأمه تفرح منت الشيخ الولي ابن شيخنا الشيخ ماء العينين، ولد سنة 1360ه الموافق ل 1941م بمنطقة نكجير، كف بصره وهو إبن العامين، نشأ وترعرع بمنطقة تيرس ودرس العلم وحفظ القرأن على يد مجموعة من علماء البيضان منهم محمد البيرة، وحمد فية البركة عبد الله التيدراريني ... ودرس اللغة والنحو والفلسفة والتاريخ على يد مجموعة من العلماء منهم أحمد حبيب الله ولد أبوه، ويعتبر سيداتي من أشهر شعراء المنطقة وله عدة دواوين شعرية.

انخرط في صفوف جيش التحرير 1956م، قاوم المستعمر وعلى إثر ذلك عانى من عدة عاهات مستديمة غير أن عزيمته لم تثنيه عن عمله، فبدأت تجربته الإعلامية بإلحاقه  سنة 1962 بالإذاعة الاسبانية بمدينة العيون، إشتغل رئيسا للقسم الحساني والديني والأدبي وهو في سن العشرينيات، وسلمت له مجموعة من الجوائز من طرف المملكة الإسبانية، كما وظف الحكاية الشعبية من خلال السمعي البصري، إنطلاقا من البرامج التي كان يقدم (أدبيات، مع الصائم، حكايات شعبية)، وكان له الفضل باقتحام عالم الموسيقى والغناء بجلبه لفنانين من موريتانيا ألى مدن الساقية الحمراء ووادي الذهب إذ كان صلت وصل بين الجارة الجنوبية أنذاك.

  •   محطة العيون الجهوية:

إلى جانب المحطات الاذاعية نجد على أن التلفزة كانت لها الدور الهام والحضور المميز، وتمثل ذلك بتأسيس محطة العيون الجهوية سنة 2004 التي أسهمت هي الاخرى في التعريف بالمجال الصحراوي الحساني، حيث اعتمدت في برمجتها على مجموعة من البرامج الثقافية التاريخية و الدينية، بالرغم من ضعف بثها وعدم توفرها على  وسائل تقنية ولوجستيكية.

  •  جرد لأهم البرامج التاريخية والتراثية التي أنتجتها تلفزة العيون الجهوية:

-      خيمة الأدب: من تقديم الاديب والشاعر محمد نيمة، يتناول البرنامج الشعر الحساني من خلال استضافة شعراء لإلقاء دواوين وقصائد شعرية حسانية عبر وصلات موسيقية من عزف الفنان أب ولد أبادو.

-      سباق القوافي:

برنامج رمضاني شبيه لسابقه(خيمة الادب) إلا إنه جاء في حلة جديدة إذ عمد على تنظيم مسابقات وإقصائيات في الميدان الشعري، بين المتبارين الشعراء مدته الزمنية 26 دقيقة.

-      الجمل بما حمل:

على شاكلة سباق القوافي أيضا يهتم بالميدان الشعري وينظم سجالات بين الشعراء.

-      أمنير: برنامج يستعرض التراث الأركيولوجي القديم وكذلك المباني التاريخية الحديثة و المعاصرة للمجال الصحراوي الحساني ومدته 26 دقيقة.

سولان الخاطر: يتناول أسماء الأماكن بالصحراء من حيث التسمية (طبونوميا الصحراء).

  • ·       السلسلات الدرامية:

- سريسر ذهبو:

    سلسلة درامية من عمق التراث الشعبي الحساني ومن وحي خيال الإنسان الصحراوي البدوي، تم استثمار هاته القصة من خلال الأعمال التلفزية، وتوظيف الحبكة الدرامية نظرا لما تحمله تلك القصص من مادة تراثية[16].

-  غزي إينيمش:

سلسلة درامية تميزت بنوع من الجرأة بمعالجتها لحدث غزي في قالب درامي[17]، فقد عمد كاتب السلسلة إلى التطرق إلى الحدث والتاريخ .

الفيلم السينمائي عنوان الانتقال من الشاشة الصغرى إلى الكبرى:

رغم بروز مجموعة  تجارب سينمائية والتي تمظهرت في أفلام قصيرة، كتجربة المخرج حسن خر لفيلمه (هودج الدموع) مدته 15 دقيقة، إلا ان أول شريط سينمائي مطول مدته 90 دقيقة، هو فيلم (أراي الظلمة) ناطق باللهجة الحسانية لكاتبه سيدي محمد فاضل الجماني، والمخرج التلفزي والسينمائي أحمد بايدو، الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم في الدورة الخامسة عشر للمهرجان الوطني بطنجة 2014، فما يميز هذا الفيلم هو إشتغال مجموعة من الطاقات المحلية من تقنيين وممثلين، كما أبرز إلى حد ما خصوصية المنطقة وثقافة المجتمع الحساني ونمط العيش الصحراوي.

تأسيس صندوق الدعم الخاص بالثقافة والمجال الصحراوي الحساني:

من الواضح على أن إنتاج أفلام مطولة كفيلم (أراي الظلمة) الحساني وغيره من التجارب السابقة، أسهم في انبثاق وتكون رؤية لإنشاء صندوق دعم التجارب السينمائية بالمجال الصحراوي الحساني من قبل المركز السينمائي، وهو ما حصل بالفعل حيث تم دعم مجموعة من الشباب قصد إنتاج أقلامهم قصد فتح المجال أمام تلك الطاقات الشابة لبلورة أفكارها وتصوراتها وصقل تجاربها الذاتية، ودفعها إلى مستوى الأكاديمية.

فانطلاقا من تلك التجارب السالفة الذكر، تم الاشراف على تأسيس المهرجان الوطني للفيلم السينمائي الوثائقي بدعم من المركز السينمائي (CCM)، الخاص بالثقافة والمجال الصحراوي الحساني في نسختين.

النسخة الأولى: والتي توج فيها دكتور التاريخ  رحال بويريك عن فلمه (ايكوفيون الصحراء 1958)، تكمن أهمية هذا الفيلم بتأريخه لتلك الحملة الشرسة التي نسقت فيها القوات الاسبانية والفرنسية كافة جهودها التقنية واللوجستيكية بمعية دول أخرى، قصد إقبار المقاومة التي تزعمتها القبائل الصحراوية بقيادة مجموعة من الزعامات المحلية بالجنوب الصحراوي[18].

النسخة الثانية: توج فيها فيلم (فم الشكاك) لمخرجه أحمد بوشلكة بحصوله على الجائزة الكبرى وجائزة أحسن إخراج، أما جائزة أحسن مونطاج كانت للمخرج حسن خر.

  مشروع مختبر الصحراء ( sahara lab ) الأفاق والتحديات

إن فكرة تأسيس مشروع سينمائي بالصحراء ليس بالأمر الهين خاصة عندما تكون من جانب شخصي وبدون أي دعم مادي من طرف المؤسسات الوصية، لكن عندما تكون عزيمة وإيمان صاحبها قوية سوف تتحدى كل الصعاب وتنتصر لمؤسسها ولمن امن بها، فقد بدأت فكرة تأسيس مختبر الصحراء مع درس تحسيسي بأهمية السينما الوثائقية سنة 2015، ألقاه المخرج والدكتور حكيم بلعباس أستاذ كرسي السينما بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث أثبت أن الكتابة السينمائية المعاصرة حطمت الحواجز التجنيسية وأن عملية الحكي هي الاصل وأن ما يميز بين الأفلام هو إبداعية طريقة الحكي مركزا على نظرية الايطالي الكاتب والسيناريست زفاتيني صاحب فيلم ( سارق الدراجة ) لمخرجه فيتوري دوسيكا مؤسس المدرسة الواقعية الإيطالية الجديدة التي تقول " ليس المهم أن تخترع قصة تشبه الواقع، لكن الأهم هو أن تحكي الواقع كأنه قصة "[19].

استمر المشروع عبر مراحل بواسطة تكوين ميداني أو ما يسمى ب التكوين بالمصاحبة، بقيادة المخرج المغربي الأمريكي حكيم بلعباس، وثلة من الحرفيين والمثقفين السينمائيين أمثال الناقد السينمائي والدكتور الجامعي حمادي كروم، والمنتج والمخرج ضان سميث نائب عميد كلية كولومبيا بشكاكو بالولايات المتحدة، وفريق من التقنيين من مختلف الجنسيات: مدير التصوير التونسي أمين لمساعدي، أبي براش وارين، تورني وانييس سارسو يسكي ومهندس الصوت سمير ملوك من الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بعد ذلك ألتحق بهم التقنيين الشباب في إطار التدريب.

المرحلة الاولى:

تم تصوير 14 فيلم مابين مدينة السمارة العيون والطنطان ثم كليميم وموريتانيا أقصى الجنوب تم عرض سبعة أفلام منها، بالولايات المتحدة الأمريكية بواشنطن وشيكاكو وبعض الجامعات والمتاحف الأمريكية (شور لعمر ميارة، امشقب لمليكة ماء العينين، أصوات وصدى لمحمد فاضل الجماني، أز لمنير نجيب، جوف الغرد لسالم بلال، وطانطان لسعداني ماء العينين، وتستمر الحياة لحمدي بجيجة)[20]، حيث نالت إعجاب المشاهد الامريكي خاصة كيفية توظيف التاريخ والثقافة الحسانية بصورة سينمائية بعيدة عن فلكلرة التراث، كما عبروا عن إمتنانهم بإطلاعهم على الثقافة الحسانية وتراثها الثقافي[21].

المرحلة الثانية:

كانت بمدينة شبه جزيرة الداخلة، إذ تم تكوين مجموعة من الشباب أبناء المنطقة لصقل مواهبهم (العيون السمارة بوجدور الداخلة الطنطان كلميم )، في إطار رؤية جديدة أو ما أسماه المخرج حكيم بلعباس " الصحراء بعيون أبناءها "[22]

دام التكوين لمدة أربع أسابيع في عدة تخصصات والتقنيات، الكتابة السينمائية، الصورة، والإخراج ثم تقنيات التصوير والمونطاج، إذ تم إنتاج ثمانية عشر فيلم تم عرضها لاحقا في عدة مهرجانات، كمهرجان طنجة والرباط و وارزازات.:

وفي الختام يمكن القول على أن المجال الصحراوي الحساني يتوفر على تاريخ ومؤهلات تراثية مادية وغير مادية متنوعة تنوع العناصر المشكلة للمجال البيضاني، يحتاج منا تكثيف الجهود كل من موقعه، ولعل مثل هاته المبادرات وغيرها من المشاريع السينمائية وكل ما يصب  في مجال السمعي البصري، ليعد أساسا في إطار توثيق التاريخ الشفهي للمجتمعات وصون تراثها، خاصة وأننا أصبحنا في عالم يبتعد عن الكتاب ويجنح الى العالم الافتراضي وأصبحت ثقافة الصورة هي السائدة لدى المجتمعات.



[1]  رحال بوبريك دراسات صحراوية المجتمع والسلطة والدين الطبعة الثانية 2008 ص:11.

 أحمد مولود ايدة الهلال، مدن موريتانيا العتيقة ، ص:09.[2]

[3]  عبد الواحد مهداوي، حماية التراث العمراني بالمغرب بين المقاربة الدولية والرهانات الوطنية، مجلة دفاتر جغرافية، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية ظهرالمهراز، العدد 3/4 الطبعة 2007 ص:7.

[4]  محمد دحمان حماية الثقافة الشفهية، التراث الصحراوي التاريخ والذاكرة، اعمال ندوة الداخلة الدولية، الطبعة 2014 ص: 260.

 اتفاقية اليونسكو 2003[5]

 أحمد سيجلماسي، مقال الثقافة الحسانية من الشفاهي إلى الصورة، جريدة طنجة الأدبية الإلكنرونية، الإيداع القانوني 2004/0024[6]

 أبا عبيد الله البكري، المسالك والممالك: المغرب في ذكر إفريقية والمغرب، الجزائر، 1857 ، ص:22.[7]

 أحمد مولود ايدة الهلال، مدن موريتانيا العتيقة ، ص:09.[8]

[9]  أحمد سيجلماسي، مقال الثقافة الحسانية من الشفاهي إلى الصورة، جريدة طنجة الأدبية الإلكنرونية، الإيداع القانوني 2004/0024

[10]  نور الدين الصايل، حكي الزمن، أشغال الندوة المنظمة من 16 إلى 24 فبراير 1990، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية بنمسيك الدار البيضاء، الطبعة 1993،ص:14.

[11]  نفسه ص: 14.

[12]  محمد العيادي، امكانات توظيف السينما في البحث التاريخي، أشغال الندوة المنظمة من 16 إلى 24 فبراير 1990، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية بنمسيك الدار البيضاء، الطبعة 1993،ص:61.

[13]  أحمد سيجلماسي إدريسي، ملاحظات حول السينما كمصدر من التاريخ(حالة المغرب)، أشغال الندوة المنظمة من 16 إلى 24 فبراير 1990، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية بنمسيك الدار البيضاء، الطبعة 1993،ص:89.

 رحال بوبريك، دراسات صحراوية، المجتمع والسلطة والدين، الطبعة 2008، ص:145.[14]

 رحال بوبريك، دراسات صحراوية، المجتمع والسلطة والدين، الطبعة 2008، ص:15.[15]

[16]  مقابلة اسماعيل أزوكاي 44 سنة مخرج سلسلة سريسرذهبو، سناريو وحوار نيمة لمغيفري، من إنتاج محطة العيون الجهوية2015.

[17]  مقابلة شخصية مع نيمة لمغيفري 45 سنة، سناريست وكاتب السلسلة التلفزية غزي إنيمش، من إنتاج محطة العيون الجهوية 2017، وله عدة أعمال وبرامج تعنى بالتراث.

 [18]   رحال بوبريك دكتور وباحث بكلية الاداب والعلوم الانسانية بجامعة محمد الخامس له عدة إصدارات، ومؤسس مركز الدراسات الصحراوية، مخرج شريط (ايكوفيون الصحراء 1958)

  [19] حمادي كروم، السينما الوثائقية...تيمة الصحراء، جريدة الصحراء لابف sahralive.com

[20] Medi 1 tv.ma/ar/tv 

[21]  عمر ميارة، مخرج سنمائي ومسرحي وشغيل يقناة العيون الجهوية وأحد المشاركين بورش مختبر الصحراء، ومخرج فيلم شور الذي عرض إلى جانب الافلام الاخرى بالولايات المتحدة الامريكية.

[22]  حكيم بلعباس، مخرج ومنتج سينمائي، ودكتور محاضر بجامعة شيكاكو بالولايات المتحدة الأمريكية، له عدة أفلام حائزة على عدة جوائز من بينها فيلم ، عرق الشتا، وصاحب فكرة مشروع مختبر الصحراء sahara lab.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي