الصحراء زووم _ ثورة الجياع


أضيف في 19 يناير 2016 الساعة 01:31


ثورة الجياع


بقلم : علي التومي

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أراد لنا الله العزة"، ولا أدري حقيقة لماذا يراد لنا المذلة في هذه الأرض الطاهرة التي دفع أهلها الغالي والنفيس من أجل أن نتوارث هذه العزة التي أرادها الله لنا جهارا نهارا، ولا يزال من اختار العيش في نقيضها مؤمن بأن يعممها علينا، لكن هيهات أن نقبل ذلك..

ليلة البارحة وكجميع الصحراويين، فتحت حاسوبي أقلب صفحات الشبكة العنكبوتية، وكعادتي أول ما بدأت به هو الاطلاع على جديد التنسيقية المحلية للأطر العليا المعطلة بالعيون، أقصد الإطلاع على أوضاعهم الصحية التي لم تثنهم عن المواكبة الاعلامية لنضالاتهم وهم الذين دخلوا يومهم السابع في إضراب مفتوح عن الطعام، بعد أن أكلت منهم عصي المخزن في الشارع العام، أصروا أن ينهش الجوع أيضا أجسادهم النحيفة، التي طالما سهرت الليالي طلبا للعلم والمعرفة، أو ليس من طلب العلا سهر الليالي؟ تبقى على أي حكمة واهية لا تفسير لها على أرض الواقع، مادام العلا بعيدا كل البعد عن ساهريه هنا بالصحراء..

وجدت فيما وجدته منشورا خط بالحرف العريض، يناشد من خلاله أبناؤنا المضربين عن الطعام كل أطياف ومكونات المجتمع الصحراوي للإلتفاف حولهم في وقفتهم التي أعلنوها مساء اليوم بشارع مكة، أقصد المعطلين غير المضربين عن الطعام، فالمهام هنا مقسمة بين أبطال الميدان، وأبطال البطون الفارغة..لكن الهدف واحد هو المطالبة بالحق المشروع في الشغل، التي تكفله المواثيق الدولية وقبلها الدستور المغربي الجديد، ولا أريد أن أتطرق هنا لخصوصية المنطقة وما يدور في فلكها من أحداث، مادامت المطالب اجتماعية صرفة، لكن لا بأس أن نذكر من ينسى بمآل خيرات المنطقة التي تستنزف أمامنا صباح مساء، وهي الكفيلة بإغراق الصحراويين في فيضانات من النعم، قد يحسدنا عليها أباطرة الخليج، وكبار أغنياء العالم..

وبما أنني أيضا جزء لا يتجزأ من منظومة المعطلين عبر ربوع هذه الصحراء، وما تعرضنا له في اتحاد معطلي إقليم بوجدور من تنكيل وقمع وقطع للأرزاق، وهنا أقصد "نصف كارطية" التي أقبل على توقيفها مسؤولو الاقليم ليحدوا  من عزيمتنا على مواصلة درب النضال قدوة برفاقنا الثائرين في مدن الصحراء، وجب علي أن أشارك بدوري رفاقي من معطلي العيون..

دقت السادسة مساءا، وهو الميعاد المحدد للوقفة الاحتجاجية، يكاد الشارع العام يمتلئ من مختلف تلاوين أجهزة الأمن، وعلى حين غرة يبدأ الاحتجاج، يبدأ الشيوخ في الالتحاق بالوقفة والأمهات تعلو أصواتهن في كل مكان، وأبطال البطون الفارغة، يطلون علينا من أعلى، إطلالة بدر في حلكة الليل، وشارة النصر تعلو أيديهم التي أنهكها الجوع..تعلو وتعلو وتعلو..

فجأة..ظهرت جحافل رجال الأمن يحملون الورود بأيديهم، يهدونها لكل واحد منا، يقبلون رؤوس أمهاتنا وأيادي آبائنا، ظلوا واقفين معنا..يحموننا من أن نتعرض لمكروه لا قدر الله، وماهي إلا شعارات قليلة رفعت حتى برز أعيان ومنتخبو المدينة، تصدح حناجرهم بتكرار شعاراتنا، جاؤوا ليردوا جميلنا يوم حملناهم على الأكتاف منتصرين لبرامجهم الانتخابية التي لم نطلع عليها بعد، فقد كانت ثقتنا فيهم كبيرة، أكبر من مجرد كلمات تخط على أوراق يرمى بها في مطارح الأزبال..

جاؤوا ليبشروننا بآلاف مناصب الشغل التي يحملونها بين أيديهم، والتي تحدوا من خلالها إرادة الدولة لإقصائنا، لقد هددوهم بالتخلي عن مناصبهم من أجلنا، هددوهم أنهم سينزلون للميدان مثلنا..هددوهم بأنهم سيدخلون في إضراب أبدي عن الطعام، حتى لو تحققت مطالبنا.. وأخبرونا أن لكل واحد منا منصب عمل..لا بل لكل فردين في العائلة "وظيفة"..وأنهم سيصعدون من خطابهم لتشمل جميع أفراد العائلة مستقبلا، حتى الذين شاءت الأقدار ألا يحصلوا على شهادة دراسة..قالوا لنا أنهم سيقاتلون من أجل أن يحصل الجنين في بطن أمه على مكانة تليق بخروجه إلى العلن، وإلا فما فائدة أن تحبل أمه وتقاسي المحن..

قالوا لنا أن زمن القهر والمذلة ولى إلى غير رجعة..وأننا قوم أراد لنا الله العزة..

ودعتهم على أمل اللقاء بهم بعد جمع فتات الوثائق المطلوبة للعمل..قبل أن أجد نفسي في إحدى زوايا بيت صغير مغمى علي من شدة الضرب والركل..وجدت نفسي بين 19 عشر مضربا عن الطعام يكاد جميعهم يغمى عليه من شدة الوجع..تذكرت فقط أول هراوة رجل أمن نزلت على رأسي بعد رفعنا أول شعار في وقفتنا..

وأيقنت أني لا زلت في أول الطريق لتحقيق ثورة الجياع التي أعلنها أبطال من معطلي مدينة العيون لتعم مختلف أحياء وشوارع مدن الصحراء..

كنت أهذي ناسيا  أو متناسيا  في لحظة طيش حالمة أن أبناء جلدتنا من أعيان ومنتخبين أن الدماء التي سالت استفزت عنفوانهم الكاذب وحميتهم ورجولتهم التي دوست تحت أقدام رجال الأمن قبل أن تدوس على أجساد وجماجم نخبة أبناء هذه الأرض، إلا أنهم مصرين ألا يغتنموا اللحظة لصنع مجد يمحو الصورة السلبية التي تكرست في عقول وقلوب أهالي هذه المنطقة، وأن يحاولوا  بعث شرعية فقدوها لردح من الزمن..صورة مثقلة بالخيبات والأكاذيب وبيع الوهم، وهم المعروفون بالتمترس والاستماتة في الذود عن مصالحهم الضيقة، صنوانهم في ذلك التطبيل والتزمير والتهليل لسياسات المخزن، وسيذكر التاريخ في صدره بمداد الذهب والفخر صرخة العز والعنفوان التي أطلقتها هذه الأمعاء الجائعة، وسيسجل على هوامشه أن هذه الأمعاء الفارغة عرت حميتهم كأنصاف وأشباه رجال كبيرون على الضعفاء منا صغار في معارك الكرامة والعزة.. وسيظل المعطلون الأشاوس كبيرون بأفعالهم ومعاركهم وسنحفر لهم في الذاكرة أنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه..




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي