الصحراء زووم _ العادات الأصيلة والعادات الدخيلة


أضيف في 25 مارس 2016 الساعة 13:49


العادات الأصيلة والعادات الدخيلة


بقلم الباحث: عبد المولى بابي

يتميز المجتمع الصحراوي كغيره من مجتمعات وشعوب العالم بمجموعة من العادات والتقاليد الأصيلة، منها ما يدخل في إطار الهوية بحيث يفنى عن بكرة أبيه ولا يتجاوزها مصداقا لقول العلامة عبد الرحمان بن خلدون "تزول الجبال عن قاعداتها ولا تزول الناس عن عاداتها" وللمثل الشعبي المأثور "مروك العادة بلاء" فمنها ما مسه تعديل وتغيير، في مقابل وفود مجموعة من العادات الدخيلة بحكم الانفتاح والاحتكاك بثقافات المجتمعات المجاورة والأخرى ولاعتبار الإنسان كائن متحرك غير ثابت اجتماعي بطبعه، ناهيك عن حالة التمدن قسرا التي طالت المجتمع الصحراوي منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، وتنقسم هذه وتلك إلى ما هو إيجابي وسلبي مما آثار قضية المجتمع الصحراوي وإشكالية الحداثة؟

فمن قبيل توسيع النقاش وإثارة هذه الإشكاليات للقارئ الكريم ولا سيما المهتمين والباحثين، أضرب هنا أمثلة بالبعض من مورثنا الشعبي الذي لزاما علينا جميعا الحفاظ عليه وتطويره على رأسه اللهجة الحسانية، فلا يغرنك أختي أخي الصحراوي لهجات ولغات أقوام آخرين وإن كنت تجيد الحديث بها وحتى وإن قدر لك الإقامة بأرضهم إلا في إطار التواصل وقاعدة "من تعلم لغة قوم أمن شرهم"، لأنه مجانف للصواب تكلمك بلسان غريب عليك ظنا منك أنه حضارة ونكرانك للسانك الحساني المعقلي العربي، زد عليه ما تزخر به مكتباتنا من نفائس علمية من مخطوطات ووثائق وجب العناية بها، وكذا النقائش الصخرية المنتشرة على ربوع وضفاف الساقية والوادي، وما تحتفظ به ذاكرتنا الشعبية من مخزون تاريخي مسؤوليتنا جميعا كل من موقعه صونه وتوثيقه، جميلة هي الأخلاق الصحراوية فإنما الأم الأخلاق ما بقيت كما ذهب إلى ذلك الشاعر الكبير أحمد شوقي، فكم هو جميل الحياء فينا: تقدير الصغير للكبير والتقدير والاحترام المتبادل بين الجنسين، فلا أكاد أعرف في مجتمع عدا أهل الصحراء مدى تعلق المرأة بأبيها، أخيها وابنها إلى درجة القسم به وإن كان منافيا للشرع، فمن منا لم يسمع قط يوما والدته، أخته أو ابنته تقول "صرة فلان لماه صرة فحولي"، رائعة ومعبرة تلك الصورة عن قمة الأخلاق والحياء من امتناع الأبوين عن مداعبة فلذات أكبادهن بحضور الوالدين ومن في مقامهما.

وإن كنت متعلقا بهذه العادات والتقاليد تعلق الروح بالجسد إلا أني أختي أخي الشاب الصحراوي لا سيما ذاك المتنور أو الساعي إلى ذلك أوافقك الرأي أن بعض عاداتنا يجب أن تكون موسمية لضرورة فرضتها حياة المدينة المعاصرة، فالزي الصحراوي عزيز على أنفسنا جميعا فلا أخال صحراويا أصيلا يخفق قلبه لسيدة دون لحافها وإن اجتمعت فيها كل حروف وحركات الجمال، ولا أخال سيدة صحراوية أصيلة ترضى أن تزف إلى رجل وإن سلب قلبها وبالها ببذلة رسمية أو منامة رياضية وقس على ذلك فهو جميل وبالدراعة أجمل، هاتان قطعتا القماش لوحدهما تفعلان فينا فعلتهما الشنيعة هاته، ونقولها ولو بمرارة لم يعودا مناسبين في كثير من الأماكن والمواقف، إلا أن ذلك ليس مبررا لنزعهما بالمرة أو نعتهما باللاحضارة وجعلهما مجرد تحف نكاد لا نراها سوى في مجسمات بالمتاحف أو استغلالهما للإشهار السياسي.

دعوني أكون جريئا معكم أكثر باستعراض بعض عاداتنا التي أصفها بالزائفة أعزكم الله إذا وافقتموني الرأي لأن الكمال صفة للخالق عز وجل وحده، وعمل ابن آدم مهما بلغ فهو محل نقصان وزيادة، أو أنها أقل ما يمكن وصفها به أنها لم تعد مناسبة إطلاقا في الوقت الراهن ويجب التحرر منها نهائيا، نقدر جميعا المرأة الصحراوية سواء في 08 مارس أو قبله أو بعده ولا نرضى عنها بديلا، لكن ألا يوجد لدينا بعض الخلل في معيار الجمال بخصوص هذا الجنس اللطيف باعتبارنا السمنة المفرطة والبدانة عنصرا أساسيا لتفضيل هذه على تلك، وسعينا الحثيث والمضني ولا سيما الأمهات بغية تحقيق ذلك، دون مراعاة المضاعفات الصحية لهذه العادة السلبية وإدراك عدم مسايرتها للعصر، ويكاد الشاي وحده يكون رمزا للثقافة المحلية بالرغم من أنه ليس صحراوي المولد والمنشأ، إلا أن الإفراط في استهلاكه والانشغال جل اليوم بطقوس إعداده على مر التاريخ الصحراوي المعاصر جعله يحتل هذه المكانة، لكن إذا ما استحضرنا حياة المدينة والسرعة والعولمة التي لا مناص لنا منها، وكيف أن العالم كله منشغلا بالعلم والعمل ونحن طوال اليوم منشغلين بـ "زيف لماعين طلع المغرج"، في جلسات قد يكون أكثر ما فيها حديث الغيبة والنميمة، حري بنا في إطار السعي للتحضر التخلي عن هكذا عادات أو التخفيف منها على الأقل واستغلال وقتها الفائض فيما هو مفيد، وبخصوص الإيجابي من العادات الدخيلة التي تم تبنيها في إطار التلاقح الثقافي.

فالتوجه العام لحضور المنتوجات البحرية الغذائية في المطبخ والمائدة الصحراوية والتفنن في إعداد أطباقها لأمر يثلج الصدر لاستهلاك منتوج محلي ذو قيمة غذائية ومنافع صحية كبيرة كنا إلى زمن قريب ندير له الظهر ونتأفف منه، في المقابل نتأسف لتفشي بعض الظواهر والعادات السلبية حيث يحز في النفس استفحال ظاهرة احتفال الصحراويين بما يسمى أعياد رأس السنة الميلادية، زد عليه العديد من الطقوس والمراسيم التي دخلت مناسبات الزفاف والقران تخدش الحياء وتفلس الجيوب وما يترتب عن ذلك من آفات اجتماعية، فلا يليق ببنات الصحراء أن تنتشر صورهن في مواقع التواصل الاجتماعي كانتشار النار في الهشيم في مواقف مخلة بالحشمة والوقار، فبقدر ما نستنكر تصرف البعض بأخذ من العادات ما يوافق ميولاته وقناعته الذاتية ونحث على التشبث بالحميد من هذه القيم والعادات الموروثة عن الأسلاف والأجداد لاعتبارها تعكس الخصوصية المحلية وتميزنا عن باقي ثقافات العالم، التي تسعى لابتلاعنا وطمسنا واجتثاثنا من الجذور بذريعة التحضر والتمدن في الوقت الذي تبقى فيه هي ذاتها وفية لأصولها التاريخية.

وتسعى قدر الإمكان لغزو العالم بها دون أن يشعر من خلال منتجاتها الصناعية والتقنية التي لا تخلو من رسائل ثقافية مشفرة بل وأحيانا أخرى كثيرة علنية فهذا موقفنا الذي لا غبار عليه، ندعو على النقيض من ذلك بالتحلي بكثير من الجرأة ونقد ذواتنا نقدا بناء قائم على المحافظة على الثوابت والقيم للاعتبارات أعلاه، والتحرر في الآن ذاته من بعض العادات الزائفة التي قد تكون أحيانا كثيرة منافية للشرع قبل كل شيء فأسرتنا وظلت عائقا لنا للحاق بركب الحضارة والرقي، فالخيار الصواب والسليم في حدود تصورنا والذي ليس إكراها علينا ابتلاعه جرعة كاملة والانصهار فيه كليا، هو اقتناص ما هو إيجابي من هذه العادات وغير مناف لشرع الله الوسطي الاعتدالي الصالح لكل شعوب المعمور في كل مكان وزمان، وبه نستطيع بناء مجتمع إسلامي عربي صحراوي أصيل عريق الجذور معاصر عال الأغصان، لا ذاك المجتمع المتزمت المسترق من طرف العادات والتقاليد، ولا ذاك المسلوب الهوية والحضارة أو التائه والمتردد بين هذا وذاك يعيش في تناقضات و"مونولغ" داخلي يكاد لا ينتهي وصراع مرير بين الماضي والعصرنة.




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي