الصحراء زووم _ قراءة في خطاب العرش - بقلم : د. الشيخ بوسعيد


أضيف في 2 غشت 2017 الساعة 00:33


قراءة في خطاب العرش - بقلم : د. الشيخ بوسعيد


الصحراء زووم : د. الشيخ بوسعيد

لايشتغل نظام ربط المسؤولية بالمحاسبة بقدر كاف من النجاعة و الفعالية ، بل لا يكاد يشتغل اصلا ، لذلك كان لابد ان يعود جلالة الملك ، في خطاب العرش ، الى وضع النقاط على الحروف من جديد مشددا على " ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الاول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة ".


لم يتغير وضع الحكامة في الادارة العمومية بالمغرب ، إذ رغم ان الملك نبه البرلمانيين و الحكومة و الأحزاب الى ذلك خلال افتتاحه للدورة التشريعية بعد إنتخابات 7 أكتوبر الماضي ، حيث تمر سنة تقريبا ، و يجد الملك محمد السادس نفسه مضطرا الى تجديد التعبير عن عدم رضاه من اداء الإدارة العمومية و موظفيها ، مقابل تفوق لافت للقطاع الخاص.


و في هذا الصدد ، اقر رئيس الدولة ب "وجود مفارقات حادة" بين القطاعين الخاص و العام ، خصوصا الادارة العمومية ، ففي الوقت الذي يتميز الأول ، حسب الملك محمد السادس ،  ب "  النجاعة و التنافسية ، بفضل نموذج التسيير ، القائم على آليات المتابعة و المراقبة والتحفيز " ، تعاني  " الإدارة العمومية ، ضعف الحكامة ، و من قلة المردودية " ، مما تسبب في أمور ، من المخجل ان تقع في مغرب اليوم .


هل نحن أمام جيل جديد من الخطب الملكية..


  لا شك أن معظم المتتبعين والمهتمين بمختلف الخلفيات والاصناف والشرائح من المجتمع المغربي لاحظوا أن خطاب الملك بمناسبة الذكرى 18 لتربعه على كرسي العرش، جاء بنبرة مغايرة ومختلفة عن سابقاتها، بحيث حمل هذا الخطاب في ثناياه وبلغة جديدة بعض الرسائل والاشارات التي تمزج بين ثنائية (الملك/رئيس الدولة) و(الملك/المواطن)، حيث يؤشر هذا التحول على أن هناك جيل جديد من الخطب الملكية ربما تقتضيه وتستلزمه التحولات البنيوية التي بات يعيشها المجتمع المغربي نتيجة ارتفاع منسوب الوعي لدى المواطن المغربي، بحيث أن هناك انتقال من " المواطن غير المبالي" إلى " المواطن المهتم والمتابع" لكل صغيرة وكبيرة. هذا الواقع الجديد أفرزته الثورة التكنولوجية وسرعة انتقال المعلومة بسبب انتشار مواقع التواصل الاجتماعي. ودون الخوض في مضمون الخطاب الذي عبر فيه الملك بصراحة وبطريقة مباشرة عن رؤيته للأوضاع الداخلية للبلاد، فإن ما يثير الانتباه في الجيل الجديد من الخطب هو المزواجة بين الملك-المسؤول عن إدارة الدولة وفق ما ينص عليه الدستور، والملك-المواطن الذي يتقاسم مع أفراد المجتمع نفس التطلعات والاهداف والاحلام. هذا الاسلوب الجديد بقدر ما أنه يؤسس لطريقة جديدة في التواصل بين الملك والشعب، فإنه كذلك يحمل في طياته ثلاث رسائل أساسية.


الاولى، فعندما يتحدث الملك كرئيس لدولة عن الاختلالات والنقائص الموجودة، فإنه يخاطب بشكل مباشر المسؤولين سواء المعينين أو المنتخبين ويحملهم المسؤولية عن تردي الاوضاع في مختلف المجالات، وتبعا لذلك، فهذا الاقرار هو بمثابة إعلان إفلاس وفشل المنظومة السائدة، الامر الذي يتطلب إعادة النظر في طرق التسيير والتدبير وتغيير النخب التي حسب الخطاب فشلت في مهمتها.


الثانية، إن لجوء الملك إلى الاسلوب البسيط والصريح وبنبرة تكاد تكون بعيدة عن الرسمية، فهو بذلك يتحدث كمواطن مغربي، وهو بهذه الصفة يحاول أن يوجه رسالة إلى الشعب المغربي، مفادها أن رهان الاصلاح والنهضة والتغيير هي " رهانات جماعية" لا يمكن لشخص أو مؤسسة كيفما كانت أن تقوم بها لوحدها، و أن زمن المعجزات قد انتهى، فالملك لا يملك عصا سحرية لمعالجة الاوضاع إن لم يشارك المغاربة كل من موقعه في صناعة التغيير.


ثالثا،  الرسالة الثالثة موجهة إلى كل فئات المجتمع المغربي، وخاصة ضحايا الخطاب الشعبوي الذي بات ينخر عقلية المغاربة بمختلف المشارب، بحيث أن الجيل الجديد من الخطب لا يحتاج إلى وسطاء لشرحه ونقله إلى المغاربة. فاللغة المستعملة هي الاقرب إلى المتداول في الثقافة الشعبية، لغة مبسطة وواضحة، وقد تكون الغاية من ذلك هي محاولة امتصاص الكم الهائل من الشحن المفرط الذي يتعرض له المغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتصحيح بعض المغالطات التي تختزل وتبسط الامور بشكل متعمد وبعيد عن الواقع.


و نافلة القول ، فخلال ست سنوات من إقرار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يندرج ضمن المنظومة العامة للحكامة الجيدة ، لم يشعر المواطنون ، الا في حالات معدودة على اطراف الاصابع ، ان المسؤولين ملزمون بتقديم الحساب و الخضوع الى امتحان التقييم و التقويم ، سواء من قبل اجهزة المراقبة الادارية الداخلية ، او من قبل مؤسسات وطنية للرقابة ، مثل المفتشية العامة للادارة الترابية ، او مفتشية وزارة المالية،  و المجلس الاعلى للحسابات ، او لجان تقصي الحقائق .


فقد أثبتت مسارات الأحداث و تراكمها خلال هذه السنوات ، انه لم يعد كافيا القيام ببعض الاجراءات و القرارات ذات الصبغة المؤقتة التي تروم ذر الرماد في العيون ، و تقديم أكباش فداء لإسكات الرأي العام الوطني و إلهائه في إنتظار فضيحة جديدة ، بل إن الأمر اضحى ملحا لوضع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في اطار نظام دائم الاشتغال ، يرصد الصغيرة قبل الكبيرة ، و يتخذ ما يقابلها من تدابير في الحال ، و  دون تمييز ، و وفق ما ينص عليه القانون.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي