الصحراء زووم _ خاص : دلالات تصريحات ولد الغزواني.. مزايدة انتخابية أم تأسيس لتغير في الموقف الموريتاني من نزاع الصحراء


أضيف في 14 يونيو 2019 الساعة 20:41


خاص : دلالات تصريحات ولد الغزواني.. مزايدة انتخابية أم تأسيس لتغير في الموقف الموريتاني من نزاع الصحراء


الصحراء زووم : سيد احمد السلامي


شكلت التصريحات الأخيرة للمرشح للانتخابات الرئاسية الموريتانية محمد ولد الشيخ ولد الغزواني، الذي يعد الأوفر حظا للفوز برئاسة موريتانيا، والتي عبر فيها عن رفضه منح الجنسية للصحراويين، بل وصف الأمر بانه "جناية" في حق الشعب الموريتاني، مفاجأة للمتابعين للموقف الموريتاني من نزاع الصحراء، وكذا للمتابعين للحملة الانتخابية، خاصة وأن الصحراويين الحاصلين على الجنسية الموريتانية، أو الموريتانيين من أصل صحراوي، يشكلون كتلة انتخابية لا يستهان بها، وبالتحديد في مناطق الشمال الموريتاني المتداخلة مع حدود الصحراء.

ورغم أن إشكالية التجنيس الموريتاني للصحراويين، لها أبعاد ديموغرافية واجتماعية ترتبط بالتشابك الإثني والثقافي والقبلي بين الجانبين، وبتركيبة البنية الديموغرافية في موريتانيا والقائمة على ثنائية "البيظان" و"لكور"، والتي وظفت فيها السلطة الموريتانية على مدى عقود "البيظان" وراء حدودها، سواء في الشمال بالصحراء أو في الشرق بأزواد، من خلال فتح المجال لهم للمشاركة في العمليات المتعاقبة لتجديد الإحصاء السكاني، وهي الثنائية التي أشار لها الرئيس الراحل المختار ولد داداه الذي يوصف بأنه أب الأمة الموريتانية في مذكراته بقوله: "فثنائية الأصول هذه حقيقة لا يمكن لأي قائد موريتاني أن يغيبها أو يتجاهلها دون أن يعرض وجود البلد نفسه لأخطار جسيمة، وتعد معرفة المسؤولين الموريتانيين لها واعترافهم بها من الأمور الضرورية لبناء الوطن الموريتاني على أسس متينة"، مضيفا بأن "هويتنا هي التحدي الجوهري"، إلا أن التعاطي الموريتاني مع الصحراويين ظل دائما محكوما بموقفها من المشكل السياسي المرتبط بنزاع الصحراء، وتأثيره على علاقاتها مع المغرب والجزائر، في ظل حرصها على ضمان نوع من التوازن، حفاظا على استقرار هذه العلاقات.

كما يرتبط ذلك بإدراك نواكشوط لطبيعة هذا النزاع الشائك والمعقد والذي فشلت كل الجهود الدولية لحله بسبب ارتباطه بالصراع الجيواستراتيجي بين الرباط والجزائر على الزعامة في المنطقة المغاربية، وكذا مواقف الدول الكبرى خاصة فرنسا التي تعتبر المنطقة المغاربية منطقة نفوذ فرنسي ومجالها الحيوي، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا على خط هذا النزاع، بحثا عن مصالحها في المنطقة وذلك في إطار استراتيجيتها الجديدة في افريقيا، والتي عبر عنها جون بولتون مستشار البيت الأبيض للأمن القومي أكثر من مرة، بالإضافة إلى فشل كل الحلول التي اقترحتها الأمم المتحدة خاصة القائمة منها على الاستفتاء، نتيجة اصطدامها بإشكالية تحديد الهوية بسبب الامتدادات القبلية لسكان الصحراء شمالا وشرقا وجنوبا، وهي الإشكالية التي تبدو موريتانيا الأكثر فهما لطبيعتها.

فهل سيكون عهد ولد الغزواني الذي يعد امتدادا لعهد ولد عبد العزيز بداية لتغير الموقف الموريتاني من نزاع الصحراء، والذي تأرجح منذ تفجر النزاع من التحالف مع المغرب والدخول في حرب مع جبهة البوليساريو، إلى الإنسحاب من الحرب والإعتراف بالبوليساريو، إلى الحياد مع إبقاء اعترافها بالجبهة  دون إقامة علاقات دبلوماسية معها، وهو الموقف الذي ظلت حكومات موريتانيا المتعاقبة متمسكة به، بل وشكل قاعدة للتعاطي الموريتاني مع هذا النزاع، رغم التذبذب الذي ظل يعتري هذا الموقف والمرتبط بحالة العلاقات مع كل من الرباط والجزائر.

وقد تميزت هذه الفترة بتعامل من نوع خاص عكست التفهم الذي أبدته موريتانيا تجاه أوضاع سكان مخيمات تندوف، البدون جنسية في نظر القانون الدولي، حيث ظلت تسمح انطلاقا من التزاماتها القانونية تجاه "المجموعة الدولية"، والتزاماتها الأخلاقية تجاه "المجموعة البيظانية"، بانتقال سكان هذه المخيمات داخل موريتانيا بواسطة بطاقات التعريف الصادرة عن جبهة البوليساريو، بالإضافة إلى التسهيلات التي ظلت تقدمها لتنقل الوحدات العسكرية للبوليساريو داخل مناطق شرق الجدار الواقعة تحت سيطرتها، والتي لا يمكن الوصول لبعض نواحيها العسكرية خاصة الجنوبية منها في ميجك واغوينيت والدوگج وزوگ، دون المرور عبر الأراضي الموريتانية، ولعل أزمة منطقة الگرگارات أبرز تعبير عن ذلك، والذي بدا أن تمركز قوات البوليساريو بها، تم حينها بمباركة من نظام نواكشوط، إمعانا منه في ابتزاز المغرب والعزف على أكثر الأوتار والملفات حساسية بالنسبة للمملكة، دون إغفال الإتفاق الضمني بين موريتانيا والبوليساريو على وضع منطقة "لگويرة".

بيد أن هذه التصريحات قد تؤشر على بداية نهاية هذا التعاطي الذي حكم العلاقة بين موريتانيا مع البوليساريو وساكنة مخيمات تندوف، فبالرغم من أن العديد من المراقبين قللوا من أهميتها، وربطوها بمزايدات الحملات الانتخابية، إلا أن هناك من رأى أنها قد تكون لها علاقة بعلم موريتانيا واطلاعها على تفاصيل التحركات الديبلوماسية التي تجري وراء الكواليس، والتي تقودها الولايات المتحدة بتنسيق مع فرنسا والمغرب لبلورة حل لنزاع الصحراء يستبعد خيار الإنفصال.

 وهي ذات التحركات التي رأى مراقبون أنها أثارت إلى جانب جملة أسباب أخرى، حفيظة هورست كولر ودفعته لتقديم استقالته، والتي تحدثت عنها وسائل إعلامية مقربة من جبهة البوليساريو، مشيرة الى أنها تهدف الى بلورة حل بعيدا عن العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، حل قد يكون تجنيس سكان مخيمات تندوف، أو على الأقل جزءا كبيرا منهم، وتوطينهم بموريتانيا أحد بنوده، وهو بند ترفضه موريتانيا والتي أوعز نظامها على مايبدو لمرشحه بتمرير هذا الموقف في معمعة الحملة الانتخابية، تحركات وتصريحات عززتها تصريحات سابقة لصديق ولد الغزواني ورفيق دربه الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز والتي أشار فيها بصريح العبارة، إلى أن الغرب لا يريد دولة تفصل بين موريتانيا والمغرب.

هذا مع استحضار إشارات مجلس الأمن الدولي المتكررة لمقترح البوليساريو القاضي بتقسيم منطقة النزاع، وهو ما يستدعي استحضار التعقيدات التي يواجهها هذا الحل بسبب الخلفيات القبلية والاجتماعية لساكنة الصحراء، وهو ماهو يجعل مقترح التقسيم عصي التنزيل، كما لا يمكن أن يتم دون التشاور مع نواكشوط بسبب تداخل جغرافيا الإقليم مع الأراضي الموريتانية.

في ظل كل ذلك تبدو تصريحات ولد الغزواني ابن الدولة الموريتانية العميقة، مرتبطة بهذه التحركات، وهو الذي يدرك أكثر من غيره من مرشحي الانتخابات الرئاسية الموريتانية، خبايا السياسة الداخلية وما يدور في الكواليس في ما يخص ترتيبات المنطقة والمرتبطة بشكل الحل الذي سيتم تنزيله لإنهاء نزاع الصحراء.

كما لا يمكن إغفال البعد المكاني في هذه التصريحات، وارتباطه بمنطقة كيهيدي ذات الأغلبية السكانية المنتمية لعنصر "لكور"، والواقعة بولاية كوركول أقصى الجنوب على ضفاف نهر السنغال في تماس مع حدود موريتانيا بافريقيا، والتي تعتبر الخاصرة الرخوة لبلاد شنقيط التي لطالما أرقت أنظمة الحكم المتعاقبة في نواكشوط، حيث كانت مسرحا للحرب الدموية ذات الأبعاد العرقية التي اندلعت سنة 1989 بين موريتانيا والسنغال، والتي هب خلالها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لنجدة موريتانيا، في عز عنفوانه وحماسه القومي، مطلقا عبارته التي سارت بها الركبان ولازالت مضربا للأمثال "عروبة موريتانيا أهم لدينا من إسلام السنيغال".

 وعليه يبقى السؤال مطروحا إن كان ولد الغزواني سيتحدث نفس اللغة بمناطق الشمال الموريتاني، مع معرفته بالتركيبية الديموغرافية لتلك المناطق، وبالتحديد ولاية تيرس زمور، والتي من المفارقة أنها تحمل اسما يحيل الى مجالين جغرافيين لهما حضور في المخيال التاريخي والوجداني لأهل الصحراء وهما "زمور" و"تيرس"، وارتباطهما باقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب المشكلين لمنطقة الصحراء المتنازع عليها، وهي الولاية الموريتانية التي تنتشر بها كتلة انتخابية صحراوية لا يستهان بها، خاصة بالزويرات وافديرك وبير أم اگرين، وغيرها من مناطق الولاية بالإضافة إلى انواذيبو التي لا تفصلها عن معبر الگرگارات سوى 60 كلومترا، وهي الكتلة الإنتخابية التي لطالما شكلت وعاءا انتخابيا يعول عليه النظام لتزكية مرشحيه وتمرير خياراته وسياساته.

فهل تكون تصريحات ولد الغزواني لها علاقة بتغير موقف نواكشوط المحتمل من نزاع الصحراء، والمرتبط بإطلاعها على حيثيات الصفقة التي تجري وراء الكواليس لحل هذا النزاع؟ أم أن هذه التصريحات لا تعدو أن تكون سحابة صيف عابرة فرضتها  المزايدات الشعبوية المرتبطة بالحملات الإنتخابية، سرعان ما ستذهب أدراج الرياح مع انقشاع غبار الإنتخابات الرئاسية؟

 هذا ما ستكشف عنه الأيام

وإن غدا لناظره..




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
افتتاح أكبر مسجد بالصحراء في السمارة
هام : هذه هي تواريخ إيداع ملفات الترشيح لإمتحانات الباكالوريا أحرار
إرتباك في حزب الإتحاد الدستوري بعد إنضمام العشرات من مناضليه لحزب الإستقلال بالعيون
الصحراء زووم تعزي قبيلة الشرفاء الرگيبات في وفاة المرحوم الشريف عبداتي ولد ميارة
بلدية المرسى وبلدية "ميري" يوقعان إتفاقية توأمة وتعاون
بعد تقاعس وكالة الحوض المائي ومندوبية الفلاحة بلدية العيون تتدخل لإنقاذ الساكنة من الناموس
إستثمارات تقدر بثمانية ملايين درهم لحماية مدينة كلميم من الفيضانات
مدينة أسا تحتضن الملتقى الجهوي حول الواحات نهاية الاسبوع الحالي
التصوف السني ودوره في تحصين الأمة موضوع ندوة علمية بالعيون
انطلاق عملية تسجيل الحجاج الذين تم اختيارهم عن طريق القرعة ابتداء من خامس يناير المقبل