الصحراء زووم _ التكريس الدستوري لحدود النموذج الجهوي بالمغرب


أضيف في 14 يوليوز 2015 الساعة 13:00


التكريس الدستوري لحدود النموذج الجهوي بالمغرب


سيدي مولاي أحمد عيلال - باحث أكاديمي

يعود تقنين التنظيم الجهوي بالمغرب إلى مقتضيات ظهير 16 يونيو 1971، الذي عرّف الجهة في فصله الثاني على أنها "مجموعة من الأقاليم التي تربط أو يحتمل أن تربط بينها على الصعيد الجغرافي والاقتصادي علاقات كفيلة لتقوية نموها، والتي تقتضي من جراء ذلك القيام بتهيئة عامة فيها، وتؤلف الجهة إطار عمل اقتصادي يباشر داخله إجراء دراسات وإنجاز برامج قصد تحقيق تنمية منسجمة ومتوازنة لمختلف أجزاء المملكة".

لكن نظرا لأن الغموض القانوني والطبيعة الاستشارية لاختصاصات الجهات وكذلك التقسيم الجهوي الذي لم يستطيع تجاوز الفوارق بينها وبين المناطق الاقتصادية، فإن هذه العوامل أدت إلى عدم فعالية الأجهزة والمؤسسات المنظمة بموجب هذا الظهير، مما ساهم بارتقائها ضمن مقتضيات دستور 1992 إلى جماعة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري كباقي الجماعات، ولقد سار دستور 1996 في اتجاه تقوية الجهة تأسيسا على خطاب الراحل الملك الحسن الثاني 20 غشت من نفس السنة، حيث أصبح لها إطار قانوني يحدد اختصاصاتها ومصادر تمويلها، كونها جماعة محلية تتوفر على مجلس يتمتع بسلطة تداولية وبإمكانية مراقبة السلطة التنفيذية (عامل مركز الجهة) من خلال آلية تتسم بالابتكار والتجديد وتغليب جانب التشاور والإخبار والتعاون، إلى جانب ممارسة وصايتها تحت مراقبة المحكمة الإدارية، مقابل ضمان المجلس الجهوي للحسابات سلامة تدبير الميزانية والمالية .

لقد حاول دستور 1996 إدماج الجهة في المجال السياسي بواسطة نظام التمثيلية مثلها مثل الأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية في إطار مجلس المستشارين كمؤسسة دستورية تمارس السيادة بصفة غير مباشرة وفقا لمقتضيات فصله الثاني، دون أن يمنحها أي ضمانات دستورية تتعلق بالشخصية المعنوية تاركا الأمر للقوانين التشريعية وفسح المجال للسلطة التنظيمية لتحديد اختصاصاتها وفق ما تراه مناسبا. أما على مستوى القانون المنظم للجهة لم يتضمن أية مقتضيات تبين كيفية تقسيم الأملاك والوسائل المختلفة في حالة تقسيم جهة إلى جهتين أو في حالة إزالة جهة من عداد الجهات المحددة بالمرسوم المتعلق بها، بالإضافة إلى ذلك لم يسفر المستوى الجهوي عن تحريك لنمط اللامركزية المتبع في اتجاه تدبير ديمقراطي للجماعات والأقاليم أو أن يدفع نحو تغيير في علاقات مركز السلطة بالفروع، فرئيس الجهة منتخب بالاقتراع غير المباشر كأسلوب يدفعه للحفاظ على توازنات لا تؤهله إلى مستوى الشخصية التي يمكن لها أن تزعم أو تدعي مشروعية مركزية داخل النسق الجهوي وإزاء الوصاية الإدارية، فلا هو آمر بالصرف ولا هو بقادر على بلورة سياسة أو استراتيجية تنموية مستقلة.

ولأن موضوع الجهوية يندرج في إطار السياسة العامة للمغرب ويُعَدُّ أحد الاهتمامات الكبرى للدولة وطموحا شخصيا للملك محمد السادس الذي أكد سنة 2001 بأنه "عازم على توطيدها بمنظور للتنمية الجهوية المتوازنة" دون اختزالها في هياكلها وأبعادها الإدارية والمؤسساتية والثقافية، لكونها "خيارا استراتيجيا وليس مجرد بناء إداري"، الأمر الذي عززته العديد من الخطب التي عُدَّت مرجعية شبه دائمة لتحديد معالمها وآفاقها، سيما منها خطاب نونبر 2008، الذي حدد تصورا مفصلا، إلى حد ما، لما أصبح يسمى "بالجهوية المتقدمة أو الموسعة". فإنه قَرَّرَ "فتح صفحة جديدة في نهج الإصلاحات" التي قادها "بإطلاق مسار جهوية متقدمة ومتدرجة تشمل كل المناطق المغربية"، كلّف لجنة استشارية 3 يناير 2010، من أجل إعداد تصور عام يسمح للمغرب بالانتقال من تنظيم إداري مبني على مركزية مفرطة "متحجرة" إلى نظام يتأسس على "الحكامة الجيدة المحلية" أو "المقاربة الترابية"، يؤدي بالنهاية إلى "إيجاد جهات قائمة الذات قابلة للاستمرار من خلال بلورة معايير عقلانية وواقعية" تراعي "اعتماد تقسيم ناجع متكامل اقتصاديا وجغرافيا ومنسجم اجتماعيا وثقافيا"، وتتأسس على:

- التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها،

- الالتزام بالتضامن الذي لا يختزل الجهوية في مجرد توزيع جديد للسلطات بين المركز والجهات،

- اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات،

- انتهاج اللاتمركز الواسع الذي لن تستقيم الجهوية بدون تفعيله في نطاق حكامة ترابية ناجحة قائمة على التناسق والتفاعل.

وقد جاء خطاب 09 مارس 2011 ليؤكد على ذلك من خلال الدعوة إلى "تكريس الديمقراطية المحلية دستوريا" على أن تتصدر الجهة مكانة تعزز "انبثاقها في شكلها الموسع من الإرادة الشعبية المباشرة المعبر عنها باستفتاء دستوري"، يؤهلها لأن تكون إلى جانب "اللاتمركز الواسع محكا حقيقيا للمضي قدما نحو تحديث هياكل الدولة". فحدد لذات الغرض خمس محاور بمثابة توجهات أساسية تكفل توزيعا منصفا وجديدا للاختصاصات وللإمكانيات بين المركز والجهات على حد سواء، تتمثل في:

-تخويل الجهة "المكانة الجديرة بها" في الدستور ضمن الجماعات الترابية في نطاق الوحدة والتوازن والتضامن مع الجهات، وفيما بينها،

-التنصيص على انتخاب المجالس الجهوية بالاقتراع العام المباشر وعلى التدبير الديمقراطي لشؤونها،

-تخويل رؤساء المجالس الجهوية سلطة تنفيذ مقرراتها بدل العمال والولاة،

-تعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن الجهوي على وجه الخصوص، وفي الحقوق السياسية بشكل عام، على أساس أن يتم التنصيص القانوني لتيسير أحقيتها الولوج للمهام الانتخابية،

-إعادة النظر في تركيبة وصلاحيات مجلس المستشارين بما يتوافق وترسيخ تمثيليته الترابية للجهات.

إلا أن دستور 2011 الذي أسس لتنظيم ترابي لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، خصص بابه التاسع للجهات والجماعات الترابية الأخرى بالارتكاز على مبادئ التدبير الحر والتضامن والتعاون، اعتبر أن الجهات والجماعات الترابية الأخرى تساهمان على حد السواء في تفعيل السياسة العامة للدولة وإعداد السياسات الترابية من خلال ممثليها في مجلس المستشارين، لكن فيما يخص عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، فإن الجهة تتبوأ تحت إشراف رئيس مجلسها مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية، ودون أي وصاية لكل منهما على الأخرى، مما يؤشر على استمرار وصاية المركز (الدولة) على الجهة بالرغم من انتخاب مجالسها بالاقتراع العام المباشر وتوفرها على موارد مالية ذاتية وأخرى مرصودة لها من طرف الدولة، وذلك من خلال سهر الولاة والعمال، باسم الحكومة، على تنسيق وحسن سير أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية تحت سلطة الوزراء المعنيين ومساعدة رؤساء الجماعات الترابية، وبخاصة منهم رؤساء المجالس الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية في إطار لا ينفصل عن ممارستهم المراقبة الإدارية بدعوى تأمين تطبيق القانون وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، وهو الأمر الذي يبرز من خلال عدة مقتضيات أبرزها ما تضمنته المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، التي تمنح لوالي الجهة (ممثل السلطة المركزية)، بحكم القانون إمكانية التَّعَرُّضْ على النظام الداخلي للمجلس الجهوي قبل انقضاء ثمانية أيام من تسلمه النسخة المصادق عليها مرفوقة بمقرر اعتماده، وله في حالة استمرار المجلس الجهوي في الإبقاء على المقرر المتنازع بشأنه إحالة الأمر للقضاء الاستعجالي بالمحكمة الإدارية الذي يبت في طلب إيقاف التنفيذ المرفوع من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية داخل أجل 48 ساعة ابتداء من تسجيله في كتابة ضبط المحكمة، فضلا عن أحقية والي الجهة في ممارسة صلاحية المراقبة الإدارية على شرعية قرارات رئيس المجلس ومقررات مجلس الجهة طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 145 من الدستور.

هكذا إذن، فإنه بالرغم من الوقوف على الكثير من الاختلالات الجغرافية والقانونية وفي سياق البحث عن البدائل الممكنة، إلا أن صياغة القوانين التنظيمية الترابية، وبخاصة منها المرتبطة بالجهات، لم ترقى بمقتضياتها إلى معالجة الإشكالات الجوهرية التي تتمثل على وجه الخصوص، لا للحصر، في الحرية الممنوحة لتدخل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية من خلال الصلاحيات الواسعة التي سيمارسها ممثلوها بالجهات أو العمالات والاقاليم (عامل/والي الجهة) في ظل غياب التوازن بينه وبين رئيس مجلس الجهة واختصاصاته الشاملة لحق الرقابة الإدارية القبلية والبعدية، الأمر الذي سيؤثر سلبا على مدى استقلالية هذه المجالس ومستوى حرية تدبير شؤونها في مجالات أخرى، خاصة وأن الضمانات التي منحت بمقتضى القانون التنظيمي رقم 14-111 تبقى غير كافية لتدعيم سمو مبدأ التدبير الحر الدستوري الذي يتطلب رفع بعض مجالات المراقبة من ولاة الجهات على المجالس الجهوية، أو تدعيم هذه الضمانات بأخرى أكثر قابلية لصيانته من المساس بقيمته في غير الغاية من إقراره، مع ضرورة الحرص على تعزيز الجماعات الترابية بما تتطلبه من موارد بشرية ومالية وتقنية، والدفع في اتجاه إزالة عوائق المراقبة الإدارية والمالية وتقنينها بشكل يعقلن الرقابة القبلية والمواكبة ويؤسس لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار لا ينفصل عن الرقابة البعدية بشقيها الإداري والقضائي، سيما وأن التكريس الدستوري-القانوني للنموذج الجهوي لا زال مستوى تدبيره وحدود اشتغاله يرتبطان بالمجالات الإدارية ولم يتجاوزاها إلى ما هو سياسي.


تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- ailal glab toni

ahamd

mnain gas nithal ya akhi lam3ail kamlin mchaw

في 14 يوليوز 2015 الساعة 33 : 14

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي