الصحراء زووم _ ازمة الكركرات ... بين التكتيك و الاستراتيجيا


أضيف في 3 مارس 2017 الساعة 18:46


ازمة الكركرات ... بين التكتيك و الاستراتيجيا


الصحراء زووم : عبد القادر داوود

كما كان متوقعا تمخض اسدال الستار عن أم المعارك بأديس أبابا العاصمة الإيثيوبية حيث ينتصب المقر الرئيسي للإتحاد الإفريقي، المحتضن للقمة 28 للقارة بقبول عضوية المغرب بهياكل ومؤسسات هذا التكتل عن سخونة منطقة الكركرات، و ما استتبعها من تغيرات دراماتيكية قلبت الكثير من الوقائع، وشرعت الباب على مصراعيه لقراءات و تحليلات تروم فهم دواعي خطوة التوغل بالكركرات، و دواعي الانسحاب المفاجئ منها. 


خطوة تعبيد الكركرات وفق ما تحدث عنه البيان الصادر عن وزارة الداخلية في شخص ولاية الداخلة وادي الذهب، كان يروم محاربة اعمال التهريب ب" قندهار " وهي عمليات روتينية دأبت القوات المسلحة الملكية عليها، دون ان تثار حولها كل هذه الزوبعة، بيد ان تجاوز الامر الى تعبيد الطريق وبكل ما للخطوة من دلالات سياسية و رمزية وسيادية، تعكس الاهداف الحقيقية المضمرة و غير المعلنة من الخطوة، و التي تهدف للتكريس لواقع جيوسياسي غير مسبوق، ابسطه الزحف على ما تعتبره الامم المتحدة منطقة عازلة وتعتبره البوليساريو اراضي محررة .


الكل يغني على ليلاه هذا هو حال الأطراف جميعها فكل طرف ينسب النصر لنفسه، ويلبس الطرف الآخر الهزيمة، وهو ديدن السياسيين على كل حال لكن لمن تقر ليلى (الكركرات) بالوصل و القربى ؟ 
جبهة البوليساريو ومنذ بدء الازمة انتظرت اسبوعا كاملا لبحث هذا المستجد، وكيفية التعاطي معه وهي ترقب الخطوات المتثاقلة للامم المتحدة، في اتجاه ما وصفته بخرق المغرب للبند الاول من اتفاقية وقف اطلاق النار، وبعد ان تبدى لها جليا ان لا بصيص يلوح في الافق لتحرك قوات المينورسو لتغيير الوقائع على الارض،  دفعت بمقاتيلها إلى المنطقة وفي جعبتها خطة (أ) و (ب ) ...، حيث كان الاسبوع كافيا لتتحصل على ضوء اخضر جزائري، للذهاب لأبعد الحدود في هذه الخطوة في مقابل ضوء اصفر موريتاني بغض الطرف عن تحركاتها وصولاتها بالمنطقة .


فالجبهة رأت ان تعبيد الطريق يعني اقبار مسلسل التسوية الاممي للنزاع برمته، و اقبار لمنطقة عازلة تفصل المغرب عن موريتانيا بكل ما يحمله ذلك من رمزية لسيادتها ودولتها المستقبلية، لذلك اعتبرت الكركرات معركة وجود بالرغم من وصفها لانسحاب المغرب منها ب " اللاحدث "، وهي المدركة اكثر من غيرها ان تعبيد الكركرات كان يعني بالضرورة طمر وتعبيد مشروعها السياسي تحته . 


اليوم وبعد انسحاب المغرب وجنوحه للتهدئة  وتفويت الفرصة على الطيور المتشائمة، وانقشاع شبح المواجهة العسكرية مؤقتا، وتبعا لذلك اخراس لغة المدافع ليطفو للسطح سجال سياسي فرضه الواقع الجديد الذي أفرزته موقعة الكركرات، والحديث الذي تلاها عن مكاسب وإنتصارات مظفرة لهذا الطرف أو ذاك ونكران للخسائر والإنتكاسات المستترة، ليبقى التساؤل مشروعا وراهنيا حول نقاط الفوز الحقيقية لكل طرف بعيدا عن صخب البروبغاندا والتضليل الإعلامي. 


المغرب حاول حرمان الامين العام السابق للامم المتحدة بان كي مون من شرف نزع فتيل هذه الازمة، بالتزامن ونهاية ولايته على رأس المنظمة الاممية ليخرج صفر اليدين، في المقابل تم توشيح غوتيريس ولحدود اللحظة بهذا الشرف، من خلال التفاعل الاني للمملكة مع تصريح المتحدث الرسمي باسمه ستيفان دوجاريك . 


المغرب افشل مخططا جزائريا كان يروم الزج بالاتحاد الافريقي ومن بوابة مفوضها للامن و السلم الافريقي "اسماعيل شرقي " في هذه المعركة و التسويق ان بداية انضمام المملكة كفر . 


كما فوت المغرب بانسحابه الاحادي على الجبهة فرصة الاستثمار بتأزيم الوضع بالكركرات لتسجيل نقاط ثمينة شهر ابريل المقبل، بالتوازي ومناقشة قرار مجلس الامن الدولي نزاع الصحراء . 


المغرب جمد بانسحابه تحركات جنوب افريقيا وبعض الدول المناوئة له في كواليس الاتحاد الافريقي، لشيطنة المغرب بوصفه عضو " غاشم " يعتدي على عضو صغير بالاتحاد الافريقي، و من خلال اللعب على وتر تناقض المملكة ومصادقتها على القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي . 


في ذات السياق كسب المغرب بانسحاب الدرك الملكي من الكركرات مجموعة من النقاط لصالحه، بعد اشادة  اصدقاء المملكة بخطوتها  بتثمين فرنسا و ترحيب اسبانيا و الولايات المتحدة الامريكية بخطوة الانسحاب . 


كما كسب المغرب اذابة الجليد مع الامم المتحدة على اعتبار ان الازمة كانت شخصية مع الامين العام السابق للامم المتحدة، و ليس المنتظم الدولي وكسر بذلك  عزلة طوقه بها الاتحاد الافريقي و الاوربي و الامم المتحدة . 


في المقابل تمركز مقاتلي جبهة البوليساريو بالكركرات، اكسبها اعادة نزاع الصحراء للواجهة ومن بابها الواسع من خلال الجلسات الدورية لمجلس الامن، و التي بات نزاع الصحراء ضيفا دائما عليها . 
البوليساريو كسبت درسا ثمينا بان اغلاق شريان الحياة بالكركرات ضربة في الصميم للاقتصاد المغربي و الفرنسي و الاسباني على حد سواء، وان قطع تدفق البضائع صوب افريقيا عبر الكركرات سيكسبها قوة تفاوضية اكبر من التهديد و التلويح بحمل بالسلاح . 


كما يسجل لجبهة البوليساريو كسبها رهان تصريف ازمة داخلية لها و للجزائر  الدولة الحاضنة التي عرفت حدثين بارزين في الآونة الاخيرة، يعكسان عمق الازمة بالجارة الشرقية، الحدث الاول تمثل في الاعلان عن تهاوي فائض البلاد من العملة الصعبة باكثر من النصف، بينما الحدث الثاني هو الغاء زيارة المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بسب تردي الوضع الصحي للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، ليبقى الحليف التقليدي للجبهة مدين لها بتصريف ازمته الداخلية، بشد الانظار لنذر الحرب بالكركرات .


كما ان اقدام المغرب على جس نبض القيادة الجديدة من خلال تعبيد الكركرات، كان مكسبا على طابق من ذهب قدم لها واحسنت البوليساريو استثماره، حيث خرجت منه مزهوة بموقفها وصمودها ومحاطة باجماع غير مسبوق بمخيمات تندوف. 


كما نجحت  الجبهة ومن بوابة نزال الكركرات بتحقيق مكسب شد الانظار عن ما تحقق للمغرب باديس ابابا . 


و لازالت الجبهة تحاول قطف ثمار جديدة لهذه الازمة قصد تحقيق المزيد من المكاسب، من خلال تسجيل ان المغرب بصم على خرق وقف اطلاق النار وتكريسه لواقع جديد، لم يكن مجسدا على الارض عشية التوقيع على اتفاق فض الاشتباك المسلح، كما ان المغرب خسر مكسبا حيويا باعادة الامم المتحدة بحث مدى قانونية فتح المعبر الحدودي الكركرات، مع العلم ان اتفاق وقف اطلاق النار يشمل معبرين انسانيين فقط هما المحبس وامهيريز اللذين جري اغلاقهما واقبارهما .


وبعيد عن مكاسب و خسائر كل طرف، يبرز التساؤل لماذا اقدم المغرب على محاولة تعبيد المعبر الحدودي الكركرات ؟ و ما الذي تغيير في اجندة المملكة لتعلن عن انسحابها المفاجئ ؟ و ما ارتباط ذلك بغياب ساركوزي عن المشهد السياسي بفرنسا و وصول ترامب للبيت الابيض، في ظل غرق التحالف الخليجي بالمستنقع اليمني، الى جانب تهاوي موارد بلدانه عقب انهيار اسعار النفط .


في المقابل كان المحور الجزائري المسنود من الروس يسعى حثيثيا لدفع الوضع للهاوية، في بلاد يراها الروس خاصرة رخوة للغرب بشمال افريقيا، كما ان طموح المغرب لتمرير خط انبوب غاز من نيجيريا صوب بلدان الاتحاد الاوربي، يعتبره الروس  استهداف مباشر وضرب لاقتصادها المترنح، و نزع لورقة محورية ضاغطة من يد الروس على دول الاتحاد الاوربي، كلها عوامل دفعت بتأجيل تفجير الاوضاع الى اشعار اخر تحدده العواصم العالمية الكبرى، لتبقى بلدان و شعوب المنطقة رهينة قرار اقتتال يأتيها من الخارج، يرهن حالها و مستقبلها و مقدراتها للمجهول، في معركة اختارت اطرافها الحقيقية ان تكون مفعولا به وعلى طول الوقت، في رقعة شطرنج تحدد باريس و واشطن وباقي الكبار بالعالم قواعد اللعبة بها .


ليبقى انسحاب المغرب من الكركرات هو اعادة لوضع تعايشت معه المملكة حتى غشت الماضي و على مدى 26 سنة كاملة، و بقاء الجبهة بالمنطقة و الى الابد كما تم الاعلان عنه، هو تكريس لوضع لم يغير الوقائع على الارض طيلة عقدين ونيف من الزمن ، وعليه يبقى نزالهما اشبه بصراع اصلعين على مشط .




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الجهـوية المتقدمة وإشكالية التقطيع الترابي
الحكم الذاتي والجهوية الموسعة..
سيدي إفني، هل فقدنا الأفق؟؟؟
فيضانات كلميم الدروس والعبر..فهل من معتبر؟؟؟
2015 : للصحراء رب يحميها
سياسة الحيوانات ؟
عفوا لست بشارلي...!!
عدنا والعود أحمد...حرية الرأي والتعبير.. إلى أين ؟؟؟
المعطل الصحراوي، بين مطرقة التخبط والإرتزاق و سندان الإقصاء.
توفيق بوعشرين: طاحت الصمعة علقوا الحضرمي