الصحراء زووم : سيد احمد السلامي
في ظل تراجع الدعم الذي كانت تحظى به أطروحة البوليساريو بين دول مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي "الصادك"، التي كانت إلى الأمس القريب أحد المعاقل الرئيسية للجبهة، تحاول الجزائر جاهدة إعادة ترسيخ وجودها ونفوذها داخل المجموعة، وهي محاولات تبدو محدودة التأثير أمام التحولات الواقعية التي تقودها الدول الأعضاء في المجموعة، والتي بدأت توازن بين مواقفها السياسية التقليدية واعتبارات المصالح الاقتصادية والتنموية.
وفي هذا الإطار شاركت الجزائر عبر كاتبة الدولة المكلفة بالشؤون الإفريقية، سلمة بختة منصوري، في احتفالية أقيمت بمقر سفارة مدغشقر التي ستتولى رئاسة المجموعة خلفا لزيمبابوي، وذلك بحضو عدد من السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد بالجزائر، وقد جاءت هذه المشاركة في محاولة لإبراز الدور الجزائري كفاعل مؤثر في الشؤون الإقليمية.
وقالت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان لها، إن المسؤولة الجزائرية قد جددت بهذه المناسبة التأكيد على التزام الجزائر بدعم مسيرة السادك في تعزيز التكامل الإقليمي والتحول الاقتصادي في إفريقيا، مشيرة إلى أن أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 تمثل مرجعا مشتركا لتحقيق تطلعات القارة نحو الوحدة والازدهار والسلام، كما أبرزت أن استضافة الجزائر للمعرض الإفريقي للتجارة البينية لعام 2025 في الفترة من 4 إلى 10 سبتمبر المقبل ستشكل محطة محورية لتكثيف التعاون الاقتصادي وتعزيز الشراكات، بما يساهم في دفع مسيرة التكامل الإفريقي، بحسب البيان.
وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت تحولات استراتيجية مكنت المغرب من إحراز اختراقات ديبلوماسية هامة بدول المجموعة، فأنغولا التي كانت من أشد الدول المدافعة عن أطروحة البوليساريو، بدا تراجع دعمها لهذه الأطروحة واضحا منذ استئناف علاقاتها مع المغرب سنة 2018، وهو ما أكده إعلانها مؤخرا دعمها لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى إيجاد حل سياسي متوافق بشأنه للنزاع الإقليمي حول الصحراء، والذي مثل تراجعا واضحا عن مواقفها الراديكالية السابقة.
كما أن كلا من مالاوي وإسواتيني وزامبيا والكونغو الديمقراطية انخرطت في خطوات ملموسة تعكس اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، عبر افتتاح قنصليات في كل من مدينة العيون والداخلة، في تأكيد صريح وواضح على دعمها الكامل للسيادة المغربية على الصحراء وللوحدة الترابية للمملكة.
من جانبها مدغشقر، التي كانت أول دولة تعترف بالبوليساريو غداة إعلانها في 27 فبراير 1976، سحبت اعترافها في عام 2005 ومنذ ذلك الحين حافظت على مواقف داعمة لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ولمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، باعتبارها الحل الواقعي الوحيد الكفيل بتسوية هذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده.
هذه التحولات الهامة في مواقف دول المجموعة عكست عزلة ديبلوماسية متزايدة للجزائر، في وقت تتجه فيه هذه الدول نحو مواقف براغماتية تراعي الشراكة الاقتصادية والتعاون الإقليمي على حساب الانخراط في نزاعات اقليمية لم تعد لها أولوية، ولا تخدم الاستقرار والتنمية المنشودة بالقارة السمراء.
وفي هذا السياق، تسعى الجزائر إلى ربط حضورها الدبلوماسي بمبادرات اقتصادية غير واقعية، كخطوة لإبراز نفسها كقطب اقتصادي قادر على تعزيز التكامل الإقليمي، غير أن هذه المحاولات تبقى محدودة التأثير أمام الدينامية المغربية التي نجحت في تحقيق اختراقات غير مسبوقة داخل فضاء الصادك، مستفيدة من سياسة الانفتاح الإفريقي التي تقودها المملكة.