الصحراء زووم : سيد احمد السلامي
تستعد الجزائر لفتح واحد من أكثر الملفات حساسية في علاقتها مع فرنسا، من خلال مناقشة مقترح قانون يقضي بتجريم الاستعمار الفرنسي، في خطوة تأتي في سياق سياسي متوتر، يتقاطع مع تطورات لافتة تتعلق بإعلان ما يسمى بـ“جمهورية القبائل” من العاصمة الفرنسية باريس.
ومن المرتقب أن يعقد المجلس الشعبي الوطني الجزائري، الغرفة الأولى للبرلمان، جلسة عامة يوم 21 دجنبر الجاري، مخصصة لمناقشة مقترح قانون يهدف إلى تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر خلال الفترة الممتدة من 1830 إلى 1962. وأوضح بيان صادر عن المجلس، عقب اجتماع ترأسه رئيسه إبراهيم بوغالي، أن جدول أعمال الجلسة سيتضمن عرض المقترح والتقرير التمهيدي، إلى جانب مداخلات رؤساء المجموعات البرلمانية.
وقال بوغالي إن هذه المبادرة تندرج في إطار “إجماع وطني” بين مختلف التيارات السياسية، وتهدف إلى تكريم ذاكرة المقاومة الجزائرية وجيل ثورة التحرير، معتبرا أن تجريم الاستعمار يشكل مطلبًا تاريخيًا لم يُحسم بعد في العلاقات الجزائرية الفرنسية.
ويأتي هذا التحرك البرلماني الجزائري في أعقاب إعلان حركة تقرير مصير منطقة القبائل (MAK) قيام ما أسمته “جمهورية القبائل”، خلال لقاء نظمته في أحد فنادق العاصمة الفرنسية باريس، بعد رفض السلطات الفرنسية الترخيص تنظيم اللقاء بقصر المؤتمرات في فرساي، بدعوى اعتبارات أمنية.
وخلال اللقاء، أعلن قادة الحركة ما وصفوه بـ“قطيعة نهائية” مع الدولة الجزائرية، معتبرين أن الإعلان يمثل انتقالًا إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي، تروم كسب تعاطف دولي وتوسيع شبكة الدعم داخل الأوساط الحقوقية والجاليات المقيمة بالخارج، واتهمت الحركة السلطات الجزائرية بمحاولة إفشال المؤتمر عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة.
وفي بيان أعقب اللقاء، أعلن فرحات مهني نفسه رئيسًا لما سماه “الدولة الجديدة”، واعتبر الخطوة منعطفًا مفصليًا في مسار الحركة، رابطًا تاريخ الإعلان، 14 دجنبر، بسياق أممي يتعلق بحق تقرير المصير، في إشارة إلى قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1960، وأكدت الحركة أن الإعلان يندرج ضمن مسار “تحرري” طويل، مدعية توفرها على قاعدة دعم داخل منطقة القبائل، ومعلنة استمرار تحركاتها من أجل الحصول على اعتراف دولي، رغم إدراكها لحساسية الخطوة وما قد تترتب عنها من تداعيات سياسية وقانونية.
ويشير مراقبون إلى أن توقيت مناقشة قانون تجريم الاستعمار مرتبط بشكل وثيق بهذا التطور الأخير، وعلى الرغم من رفض السلطات الفرنسية السماح بعقد الحدث في قصر المؤتمرات بفرساي، إلا أن اتهامات غير رسمية وجهت إلى باريس بالتغاضي عن هذا الإعلان غير المسبوق في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال عام 1962. ويعكس هذا المسار، ويعكس هذا المسار، وفقًا لمحللين، استمرار الجزائر في توظيف الذاكرة الاستعمارية كورقة سياسية في علاقاتها الثنائية، التي تتسم بتقلبات متكررة.