بقلم : د- الشيخ بوسعيد
تضمن الخطاب السامي الذي ألقاه الملك محمد السادس خلال ترؤسه جلسة افتتاح السنة التشريعية الثانية من الولاية البرلمانية الخامسة ، خلال الجمعة الثانية من شهر أكتوبر الحالي ، اشارات قوية بخصوص امكانية إجراء أول تعديل حكومي ستعرفه حكومة سعد الدين العثماني قبل إستكمال سنتها الأولى، و من ابرز هذه الاشارات :
-اولا : ان الخطاب الملكي تميز بالصرامة و كانت لغته جد صريحة و هو تتمة للخطابات السابقة ، وخصوصا نقد الاداء الحكومي و الأداء الاداري، كما صحح تجاهل الحكومة و عدم اهتمامها بشكل كاف بالقضايا الافريقية و وضعها في قمة الأولويات حيث ان الحكومة الحالية لم تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من التوصيات الواردة في الخطاب الذي القاه جلالة الملك محمد السادس من العاصمة السنغالية دكار ، عندما دعا الحكومة الى وضع افريقيا ضمن الأولويات و في قمة الاهتمامات .
- ثانيا : كما هي عادة الخطابات الملكية الاخيرة، وجه الملك باعتباره رئيس الدولة انتقادات شديدة اللهجة الى الادارة و الى المنتخبين ، بسبب التراخي و التهاون الذي اصبح يطبع تنفيذ عدد كبير من البرامج و السياسات العمومية، و ايضا الخدمات المقدمة للمواطنين.
لم يسبق لاي خطاب من الخطابات التي القاها الملك محمد السادس منذ جلوسه على العرش سنة 1999 ، ان تضمن منسوبا عاليا من قاموس الصرامة و الحدة ، كما تضمنها خطاب جلالة الملك بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة، خطاب جاء مليئا بالشدة المصحوبة بنبرة الغضب الملكي ، مما آلت إليه اوضاع السياسات العمومية و حالة النخب السياسية التي بدل ان تكون جزءا من الحل ، حيث تحولت الى معضلة تتطلب الحل ( زلزالا سياسيا) .
- ثالثا : و لأول مرة اعلن عاهل البلاد عن فشل المشروع التنموي الذي اعتمد حتى الآن، و الذي لم يقضي على الفوارق الاجتماعية و الهشاشة و الفقر ، و لم يحقق ظروف العيش الكريم و الكرامة للمواطن المغربي ، و ايضا لم يراعي متطلبات العصر الراهن و يساير التطورات الحديثة ببلادنا.
- رابعا : لا شك ان خطاب الملك الذي ألقاه امام مجلسي النواب و المستشارين هو امتداد و استمرار لخطاب العرش الذي تميز بالنقد و التشريح للوضع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي بالبلاد ، مما يحيل على ان الوضع اصبح يفرض المزيد من الصرامة ، و القطع مع التهاون و التلاعب بمصالح المواطنين ، و ربط المسؤولية بالمحاسبة ، و تصحيح الأخطاء، و تقويم الاختلالات.
- خامسا : ضرورة تسريع الجهوية المتقدمة حيث دعا الملك الحكومة الى وضع جدول زمني مضبوط لإستكمال تفعيل الجهوية المتقدمة، حيث اهاب جلالته بالمجالس المنتخبة ، و خاصة على مستوى الجهات لتحمل مسؤوليتها في تدبير شؤون كل منطقة و اتخاذ المبادرات للتجاوب مع ساكنتها و الاستجابة لمطالبها المشروعة ، و دعا الى اخراج ميثاق متقدم للاتمركز الاداري و ذلك من اجل تسريع التطبيق الكامل للجهوية المتقدمة ، لما تحمله من حلول و اجابات للمطالب الاجتماعية و التنموية بمختلف جهات المملكة.
-سادسا : لقد جعل الملك الشباب محط عنايته الملكية من خلال الدعوة في خطابه عن اسفه لكون التقدم الذي يعرفه المغرب لا يشمل كل المواطنين الذين يمثلون اكثر من ثلث السكان و الذين يخصهم بكامل الإهتمام و الرعاية ، و اكد ان تأهيل الشباب المغربي و انخراطه الايجابي و الفعال في الحياة الوطنية ، يعد من اهم التحديات التي يتعين رفعها ، باعتباره الثروة الحقيقية للتنمية ، و ايضا كمحرك للتنمية الاقتصادية و البشرية ...
- سابعا : يبدو ان الحكومة لم تلتقط إشارات ملكية سابقة همت مجموعة من التوصيات الواردة في الخطاب التاريخي الذي القاه الملك محمد السادس من دكار ( السينغال ).
ان قرار الملك احداث وزارة منتدبة بوزارة الخارجية و التعاون الدولي مكلفة بالشؤون الإفريقية، هو رسالة الى مجموع دول افريقيا ، مفادها ان المغرب يضع القارة في قلب اهتماماته الحكومية و سياسته الخارجية، باعتباره ان المغرب لم يعد فاعلا جهويا فحسب، بل اصبح فاعلا قاريا وازنا ، و يرسخ التوجه الإفريقي للسياسة الخارجية المغربية ، حيث تسارعت وتيرته منذ طلب المغرب العودة الى الاتحاد الإفريقي والإنضمام الى المجموعة الإقتصادية لدول غرب افريقيا ، و ايضا من خلال ضمان و تعزيز و تكثيف الحضور المغربي على مستوى التكتلات الخمسة للقارة ، و التي اغلبها تعرف نشاط دبلوماسية جبهة البوليساريو و الدول المساندة لها .
.. و هذا ما سيظهر لنا جليا من خلال محطة الصراع المقبلة بين المغرب و جبهة البوليساريو على هامش القمة الإفريقية- الأوروبية المقررة في 29 و 30 من شهر نونبر المقبل بالعاصمة الإيفوارية ابيدجان.
و خلاصة القول ، و انطلاقا من بعض التحليلات او التعليقات التي يرى اصحابها ان اشارة او توظيف الملك لمصطلح : " زلزال سياسي " ، يؤشر على امكانية حدوث تعديل حكومي و ان هذا الإجراء بات وشيكا ربما ( نظرية عدم اليقين - نظربة عدم التنبؤ في المستقبل ) .
يمكن اعتبار ان مسألة التعديلات الحكومية ، و على مدار التجارب الحكومية السابقة منذ الإستقلال الى الآن تعتبر من ركائز النظام السياسي المغربي ، بحيث ان القاعدة هي ان التعديل يتم في منتصف الولاية الحكومية او قبل نهايتها ، و الاستثناء ان لا يتم اجراء تعديل او اي تغيير في البنية او التركيبة الحكومية ،
و توجد امثلة كثيرة تؤكد هذا الطرح .
لذلك، فتوظيف مصطلح " زلزال سياسي " في الظرفية و السياق الحاليين يجد تبريراته في و جود خلفيات تتجاوز ما هو : "روتينيا / اعتياديا " الى ما هو : "فجائيا / لا توقعيا "، بحيث من الممكن ان بؤدي هذا : " الزلزال" في حالة " حدوثه" الى وقوع "تحولات عميقة" تشمل "المؤسسات القائمة " او تمس طريقة اشتغالها، و في هذه الحالة يمكننا اسقاط نظربة التنبؤ في المستفبل .